كتّاب المحبّة

الكلمة هو الله

الكلمة هو الله

طُلِب مني مقالة فبدأت أفكّر بسلسلة خواطر مع الحرص على أن تكون بكلمات محددة لأنه خيرُ الكلام ما قلّ ودل ...صحّ ولكن ...

كيف يكون الكلام مختصرًا ونحن في زمن اللغي والحشو والثرثرة وكثرة الكلام؟ "شو وقفت عليي؟"

تطلعت من حولي ورأيت قادة الدول وفي أعلى المسؤوليات وهم حيارى في خطاباتهم يلغمونها بالكلام المفبرك لتعبئة الوقت المطلوب.

رأيت رجال الدين في عظاتهم أو خطبهم وهم يختبئون وراء عدد من المصطلحات المدروسة لتقديم إرشادهم وتنشئتهم البعيدة غالبًا عن متطلبات الواقع، وهي طبعًا كلامٌ كثير وفعلٌ قليل...

رأيت إعلاميين كبار في برامجهم الضاربة عرض الحائط بما يطلبه المشاهد أو المستمع والمقتصرة على ما يريد الإعلامي تقديمه في إرضاءٍ لفلان أو علاّن، أو من مصلحةٍ مع هذا وذاك، وبكل الحالات الكلام معسول منمّق، أو استفزازي مزعج، لكنه يحافظ دومًا على كثرته ولغيه ودورانه في حلقة مفرغة لتعبئة الوقت المطلوب ...

رأيت عددًا من المحاضرين والأدباء والشعراء ( كي لا نجمل الجميع )، من على أعلى المنابر يُكثرون الكلام لأن فحوى حديثهم غير مفهوم، غير مرغوب، غير مطلوب، بالإضافة الى أنه غير منطقي وغير مدروس ...

رأيت مربّين ومعلّمين في أخطر المواقع تأثيرًا على جيل الغد من طلّاب العلم اليوم، وهم يتلهّون بالكلام الفارغ أو التبريري لتصرفٍ ما من المعلم او الطالب ، والوقت مهدور والتعب مهدور والغد مجهول والعلم سراب ...

رأيت، ورأيت، ورأيت... ولن أُكثر الكلام كي لا أصبح من لائحة الثرثارين ولكنني وصلت الى نتيجة حاسمة لا جدل فيها تؤكّد أن كثير الكلام بعيدٌ عن الحقيقة، وكثير التبريرات ظالم للحقيقة، وكثير المرادفات فارغ من المعلومات...

لذلك واستنادًا الى ما ورد في رسالة البابا لاون الرابع عشر للصوم هذه السنة 2026، وتحت عنوان: "الإصغاء والصوم، الصوم كزمن للارتداد"، كتب قداسته: ... لنطلب قوة صوم يمرّ عبر اللسان، لكي تقل الكلمات التي تجرح وتزداد المساحة لصوتٍ آخر ... 

ويدعو قداسة البابا لاون الى الإمتناع عن الكلمات التي تجرح وتؤذي مشددًا على أن نبذل جهدًا كافيًا لنتعلّم كيفية وزن الكلمات وتعزيز اللطف.

فانطلاقًا من هذه الرسالة واستذكارًا للمثل الشعبي الذي يقول: إذا كان الكلام من فضّة فالسكوت من ذهب... مقولة قد تكون صحيحة عند أمثال الثرثارين الآنف ذكرهم ولكن قد نلتقي بمن كلامه ليس بالذهب فقط إنما أيضًا أغلى من الوقت والعمر والمنابر والدراسات ... إنه كلام ناضج حكيم، سلاحه العلم والمعرفة، وموهبته الكلام... 

فالكلمة ليست مجموعة أحرف نركّبها بصياغة متنوعة... 

الكلمة هي المعنى والقيمة والفكرة ...

الكلمة هي الله الذي كان منذ البدء وسيبقى للأزل، 

كلمة حقٍّ وحبٍّ، كلمة تعليم وتربية، كلمة هديٍ وخلاص، كلمة حقيقة غلبت الحقائق، كلمة حياة غلبت الموت... إنه الله ....

فيا أبناء الله لتكن كلمتكم نعم نعم ولا لا... وكل ما زاد عن ذلك كان من الثرثرة واللغي الحشو والكلام الفارغ ...


ريتا صبيح

تلفزيون وإذاعة صوت المحبة


عودة إلى المقالات