الأخبار
البطريرك الراعي: نريد لبنان أرضًا طيبة... والجيش سند الدولة الوحيد
ترأس غبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد الثالث عشر من زمن العنصرة في كنيسة الصرح البطريركي الصيفي في الديمان، عاونه فيه المطران الياس نصار والأب فادي تابت المرسل اللبناني.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة بعنوان «الحَبّ الذي وقع في الأرض الجيّدة أثمر» (لو 8: 15)، استهلها بالتوقف عند مثل الزارع، موضحًا أن «الزرع هو كلمة الله، والزارع هو المسيح بواسطة الكنيسة»، وأن الزارع واحد واليد واحدة، فيما تختلف الأرض التي تستقبل الزرع.
وأوضح أن بعض الحب وقع على الطريق، وبعضه على الصخر، وبعضه بين الشوك، وبعضه الآخر في أرض جيدة، «فكان الفرق في الثمر لا في الزرع»، لافتًا إلى أن كلمة الله تُعطى للجميع، والنعمة تُعرض على الجميع، والحب الإلهي يقترب من كل قلب، لكن الإنسان هو الذي يحدد كيفية استقباله لهذه الكلمة: إما أن يتركها تمر، أو يقبلها قليلًا ثم يتراجع، أو يسمح للهموم بأن تخنقها، أو يفتح لها أعماق قلبه فتصير حياة وثمرًا.
وأشار إلى أن الرب يسوع يصف من يشبه الأرض الجيدة بأنه الإنسان الذي يسمع الكلمة ويحفظها في قلب صالح ويثبت فيها بالصبر، فتثمر.
ورحّب البطريرك الراعي بالمشاركين في الليتورجيا الإلهية، راجيًا لهم كل نعمة وخير، وخصّ بالترحيب الوفد البولندي برئاسة رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البولندي، ترافقه سفيرة بولندا في لبنان، كما رحّب بالسفير الدكتور إبراهيم المجذوب، الرئيس التنفيذي لمجلس أمناء سفراء دول العالم في الاتحاد الأوروبي.
ووجّه تحية خاصة إلى عائلة الراحل جورج صليبا، الذي ارتبط اسمه بالمثلث الرحمة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، إذ خدمه شماسًا عندما كان أسقفًا ثم بطريركًا وكاردينالًا، وبقي إلى جانبه في الكرسي البطريركي وفي أسفاره.
وقال إن الراحل كان «كتومًا مأخوذًا بالخدمة المتواضعة والمتفانية»، مشيرًا إلى أنه وُدّع قبل نحو عشرة أيام، بحضور زوجته وابنتيه وابنه، ومعلنًا تقديم الذبيحة الإلهية لراحة نفسه، ولعزاء أسرته وعائلات أشقائه وسائر أنسبائه ورابطة آل صليبا.
وعاد الراعي إلى مثل الزارع، موضحًا أن الرب يسوع يقدّم أربع صور لكيفية استقبال كلمة الله، ثلاث منها مرفوضة والرابعة مقبولة.
فالصورة الأولى، بحسب الراعي، هي الحب الذي يقع على قارعة الطريق، حيث يصل كلام الله إلى الإنسان من دون أن يجد مكانًا يستقر فيه، فيسمع الإنسان الكلمة، لكن سماعه يبقى خارجيًا وتمر الكلمة على سطح القلب من دون أن تدخل إليه، فتضيع قبل أن تغيّر شيئًا في حياته. واعتبر أن هذا هو موقف عدم الاكتراث بكلام الله.
أما الصورة الثانية فهي الحب الذي يقع على الصخرة، حيث يسمع الإنسان الكلمة ويستقبلها بفرح وحماس، لكنه لا يملك جذورًا عميقة، وهي صورة عدم العمق الروحي والسطحية.
والصورة الثالثة هي الحب الذي يقع بين الشوك، فيبدأ بالنمو قبل أن تخنقه هموم الحياة والمصالح والمال والرغبات، لأن القلب يكون منشغلًا بالمال والمصلحة والقلق. وهذا، بحسب الراعي، هو موقف الإنسان الغارق في هموم الدنيا.
وأكد أن الرب يسوع يدعو الإنسان إلى تجنب هذه المواقف الثلاثة: اللامبالاة والسطحية والانشغال بهموم الدنيا التي تخنق الروح.
أما الصورة الرابعة فهي الحب الذي يقع في الأرض الطيبة فيثمر، حيث يجد كلام الله قلبًا صالحًا ومستعدًا، فيسمع الإنسان الكلمة ويحفظها ويعيشها ويثبت فيها، فتثمر في حياته محبة وخيرًا وأعمالًا صالحة.
وقال الراعي إن هذا هو الموقف الذي يريده يسوع، إذ يريد لكلمته أن تقع «في العقل والإرادة والقلب: تقع في العقل لكي نفهم، وفي الإرادة لكي نقرر، وفي القلب لكي نحيا»، مشددًا على أن الأرض الطيبة ليست أرضًا بلا صعوبات، بل أرضًا تقبل أن تُفلح وتُنقّى وتُروى وتنتظر.
وتوقف عند معنى القداس في حياة المؤمن، مؤكدًا أن الله يزرع كلمته في الإنسان في كل قداس، ثم يغذيه بجسده ودمه، «فنسمع الكلمة لكي نحفظها، ونتناول الإفخارستيا لكي نأخذ القوة على عيشها»، مشددًا على أن الليتورجيا تجعل القلب أرضًا طيبة حتى يصبح ما يسمعه المؤمن صلاة وحياة وثمرًا.
وانتقل البطريرك الراعي إلى البعد الوطني، معتبرًا أن عبارة «الذي يقع في الأرض الجيدة يثمر» تحمل معنى وطنيًا عميقًا، لأن الأوطان بدورها تحتاج إلى أرض طيبة كي تثمر.
وقال: «نتكلم عن الأرض، ولبنان قبل كل شيء أرض: أرض تاريخ ورسالة وعيش مشترك»، مضيفًا: «نريد لبنان على صورة الأرض الطيبة: وطنًا حرًا، سيدًا، مستقلًا، يقوم على العدالة والدستور واحترام الإنسان وكرامته. نريده وطنًا وأرضًا للسلام».
وشدد على أن السياسة حين تسقط على أرض المصلحة الضيقة لا تثمر، والقرار حين يقع على صخر الانقسام لا يثبت، والإصلاح حين يخنقه شوك المحاصصة والامتيازات يموت، أما حين تقع الإرادة الوطنية في أرض الدولة والقانون والعدالة، فإنها تثمر استقرارًا وثقة ونهوضًا.
وفي الشأن الوطني، قال الراعي: «إننا نتطلع إلى أن تُثمر المفاوضات الجارية بشأن الجنوب والسيادة ما يحفظ حقوق لبنان، ويوقف الاعتداءات، ويؤمّن الانسحاب من أرضنا، ويعيد الأمن والاستقرار إلى أهلنا وقراهم، ويفتح باب إعادة الإعمار، فتستعيد الدولة كامل دورها وسيادتها، ويكون الجيش اللبناني سندها الوحيد في حماية الوطن».
وأكد أن «الأرض الجيدة في الوطن هي الدولة حين تكون قوية وعادلة، وهي القضاء حين يكون مستقلًا، والإدارة حين تكون شفافة، والمسؤولية حين تتحول من امتياز إلى خدمة، والمواطن حين يضع المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية».
ودعا إلى مؤسسات تستقبل الكفاءة فتثمر خدمة، والعدالة فتثمر ثقة، والقانون فيثمر دولة، مؤكدًا أن لبنان «ليس أرضًا عقيمة»، بل أرض أثمرت علمًا وثقافة وقداسة وفكرًا وحضورًا في العالم، وهي قادرة على أن تثمر من جديد متى زُرع فيها الحق، وحُمي القانون، وصينت الحرية.
وأضاف: «فلنزرع السلام فيثمر استقرارًا، والعدالة فتثمر ثقة، والقانون فيثمر دولة، والتعليم فيثمر مستقبلًا، والوحدة فتثمر وطنًا. نريد لبنان الأرض الجيدة التي لا تضيع فيها التضحيات، ولا تختنق فيها المبادرات، ولا تموت فيها أحلام الشباب».
وختم البطريرك الراعي عظته بالصلاة: «يا رب، اجعل قلوبنا ووطننا أرضًا طيبة لكلمتك، واحفظ زرع الخير فينا من اللامبالاة والسطحية وهموم الدنيا. بارك لبنان، بارك أرضه وشعبه، واجعل ما نزرعه اليوم حقًا وعدالة وسلامًا، ثمرًا لأجيال الغد. واجعل أرضنا طيبة فتثمر لتمجيدك وشكرك إلى الأبد، آمين».