الأخبار
المطران طربيه: فلنرفع أنظارنا نحو مريم
ترأس سيادة المطران أنطوان شربل طربيه، راعي الأبرشية المارونية في أستراليا ونيوزيلندا وأوقيانيا، يوم الجمعة في 14 آب، القداس الاحتفالي في كاتدرائية سيدة لبنان في هاريس بارك بمناسبة عيد انتقال السيدة العذراء بالنفس والجسد إلى السماء. وشاركه في الخدمة الليتورجية الأب داني نوح خادم الكاتدرائية، الأب غسان نخول، الأب مايكل بو ضاهر والأب سايد اسحاق.
وحضر الاحتفال عدد من الشخصيات الرسمية من بينهم، سعادة القنصل العام للبنان في نيو ساوث ويلز السيد ريمون الشملاتي، وسعادة القنصل السيدة سارة الدراني والسيد جعفر محيي الدين، والنائبة دونا ديفيس، ورئيس بلدية باراماتا السيد مارتن زعيتر، والعضو البلدي السيدة تانيا رافول، والسيد كيران ماكينا الرئيس التنفيذي لبنك سدني والسيدة كارولين ماكينا . كما شارك في القداس النائب الأسقفي العام المونسنيور مارسيلينو يوسف، الأب مارون موسى، المونسينيور شورا ماري وراهبات العائلة المقدسة ورؤساء وأعضاء المؤسسات المارونية في أستراليا.
في عظته، قدّم سيادة المطران طربيه قراءة روحية عميقة لمعنى عيد انتقال السيد العذراء، مستندًا إلى مسيرة الكنيسة المارونية وإيمانها المريمي المتجذّر، وقال "في مسيرة حياتنا، كثيرًا ما تنحني أنظارنا نحو ما يدور حولنا او مشاكلنا الشخصية ، نحو ما يحتاج إلى إصلاح، وما يثير خوفنا، وما يثقل قلوبنا بما يخبئه المستقبل. غير أنّ الكنيسة، في هذا العيد المبارك، عيد انتقال السيدة العذراء، تدعونا إلى القيام بأمر مختلف: أن نرفع نظرنا وأن نوجّه قلوبنا نحو العلى متأملين وجه مريم وما صنعه الله معها، مع ملء الثقة بما لا يزال قادرًا أن يصنعه مع كل واحدٍ منّا."
وأشار طربيه إلى أن الموارنة، عبر تاريخهم، حملوا صورة مريم في صلواتهم وبيوتهم وقلوبهم، قائلاً "إن كنيستنا المارونية خبِرت هذا السرّ منذ بداياتها. فنحن كاثوليك في الإيمان، أنطاكيون في الجذور، سريان في التراث، لكننا أيضًا كنيسة مريمية بامتياز. فمنذ القرون الأولى، نُسج حضور مريم في صلواتنا ولاهوتنا وهوية شعبنا. وقد رأى القديس أفرام السرياني، أحد أعمدة تقليدنا الروحي، أن مريم والكنيسة تتجليّان في صورة واحدة: فمريم قبلت الكلمة وحملته في أحشائها وقدّمته للعالم، وهذا ما دُعيت الكنيسة أن تفعله في كل زمان ومكان."
وأضاف "ومن هذا التأمل ينبثق سؤال يلامس جوهر دعوتنا المسيحية: إذا كانت مريم قد حملت المسيح إلى العالم، فهل نحمل نحن المسيح في حياتنا؟ هل نقدّمه للعالم من خلال محبتنا، وشهادتنا، وخدمتنا؟"
وأشار طربيه إلى إرث البطاركة الموارنة الذين "أدركوا هذا السر إدراكاً عميقاً. فالطوباوي البطريرك إسطفان الدويهي نسب شفاءه من العمى إلى شفاعة العذراء، مؤمنًا بأن نورها قادر أن يبدّد كل ظلمة. أمّا البطريرك الطوباوي إلياس الحويّك، الذي رُفع إلى مصاف الطوباويين قبل أسابيع قليلة، فقد قدّم للكنيسة المارونية إحدى أعظم علامات الإكرام المريمي في العصر الحديث: مزار سيدة لبنان في حريصا، حيث سلّم الوطن برمّته إلى عناية أمّه السماوية".
ولم يغب الوضع الراهن في لبنان عن العظة حيث أشاد طربيه بجهود الدولة اللبنانية وعلى رأسها فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون لاستعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة على كافة أراضيها وتأمين مستقبل أفضل للبنانيين، وقال "في ظلّ قيادة الرئيس جوزيف عون، تُبذل جهود متجدّدة لتعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ نهج الإصلاح والمساءلة، وإعادة بثّ الرجاء في نفوس اللبنانيين. وهذه الجهود، مهما كانت صعبة، تُذكّرنا بأن بناء الوطن ليس مهمة تُلقى على عاتق الداخل وحده، بل هو دعوة تشمل أبناء الانتشار أيضًا".
ورأى أن دور اللبنانيين في بلدان الانتشار يتعدى مجرد استعادة لبنان في الذاكرة أو النظر إليه بعين الحنين، بل إلى كونهم شركاء في نهضته، "وهي شراكة تُترجم بالصلاة وسخاء القلب والالتزام الصادق بوحدة الكلمة وصنع السلام. فلبنان لا يُبنى فقط بالحجارة والمؤسسات، بل يُبنى أولًا بالقلوب التي تحمل رجاءه وبالأيدي التي تمتدّ لخدمته وبالإيمان الذي يرفض أن يتركه أسير جراحه".
كما دعا المطران طربيه أبناء الجالية المارونية إلى أن يكونوا شهود سلام في المجتمع الأسترالي، قائلاً، " في هذا العام الذي كرّسته أبرشيتنا للسلام، نحن مدعوون أن نحمل سلام المسيح أينما وُجدنا. فقد أصدر مجلس الأساقفة الكاثوليك في أستراليا مؤخرًا بيانهم حول العدالة الاجتماعية، محذّرين من تنامي الانقسام في المجتمع، ونحن نعرف كم يمكن للاختلاف أن يتحوّل سريعًا إلى شرخ بين أبناء المجتمع الواحد".
وفي هذا السياق رأى طربيه "أن المؤمن المسيحي لا يمكن أن يكون صوتًا غاضبًا بين الجموع، فمهمّتنا ليست أن نربح كل نقاش، ولا أن نُسكت كل رأي مخالف لنا. مهمّتنا هي أن نحمل المسيح في الطريقة التي نلتقي بها مع الآخرين، في نظرتنا إليهم، في كلماتنا، وفي حضورنا. فحيثما يُحمل المسيح، يُزرع السلام وتُشفى القلوب وتُبنى الجسور الذي يربط الإنسان بأخيه الإنسان."
وأعلن طربيه انطلاق المرحلة الأولى من مخطط تطوير كاتدرائية سيدة لبنان، والتي تشمل إنشاء موقف سيارات جديد وساحة أمامية تتضمّن نصبًا تذكاريًا للأنزاك. تليها المرحلة الثانية ببناء كابيلا جديدة ومركز للتراث الماروني، ثم المرحلة الثالثة التي تشمل تجديدًا شاملًا لداخل الكاتدرائية استعدادًا ليوبيلها الذهبي عام 2028.
كما أعلن عن انعقاد المجلس الأبرشي في نيسان 2027، وهي محطة سينودسية تجمع الإكليروس والرهبان والعلمانيين للتفكير في مستقبل الكنيسة المارونية في أستراليا ونيوزيلندا وأوقيانيا.
وختم طربيه عظته بكلمات مريم في الإنجيل: "تعظّم نفسي الرب"، معتبرًا أن هذا هو سرّ حياة العذراء: "أن تتحوّل بأنظارنا ونفوسنا لله، وأن تحمل المسيح وتعطيه للعالم".