الأخبار

المحليّات

البطريرك الراعي: المطلوب واحد... لبنان والدولة والإنسان

البطريرك الراعي: المطلوب واحد... لبنان والدولة والإنسان

ترأس غبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد الرابع عشر من زمن العنصرة في كنيسة الصرح البطريركي في الديمان، عاونه فيه المطران إلياس نصار، المونسنيور ناتالي ألبينو من أمانة سر حاضرة الفاتيكان، المونسنيور الياس عدس، المونسنيور فيكتور كيروز، أمين السر العام الأب فادي تابت المرسل اللبناني، أمين سر البطريرك الخوري كاميليو مخايل وعدد من الآباء، بحضور وفد من محامي رابطة خرّيجي كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية – فرع جل الديب، يرافقهم نقيب المحامين السابق جورج جريج، رئيس وأعضاء رابطة سيدة إيليج ووفد من بلدة حصارات – جبيل وحشد من المؤمنين.

وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة بعنوان «المطلوب واحد» (لو 10: 42)، شدّد فيها على أن الإصغاء إلى كلام الله يسبق كل عمل ويمنحه معناه وقداسته، قبل أن يتوقف عند الشأن الوطني، مؤكدًا أن «لبنان تعب من كثرة الكلام وقلة الإصغاء»، وأن المطلوب اليوم هو «لبنان، والدولة، والإنسان».

وقال الراعي إن عبارة «المطلوب واحد» تعني سماع كلام الله قبل البدء بأي عمل، «لكي نقدّس العمل ونتقدّس به»، موضحًا أن هذا هو المعنى الذي أراد يسوع أن يوصله إلى مرتا المنهمكة بأعمال الخدمة والاستضافة، وإلى أختها مريم التي جلست عند قدميه تصغي إلى كلامه.

وأشار إلى أن إنجيل اليوم لا يفصل بين الصلاة والعمل، ولا يضع مرتا في مواجهة مريم، بل يعيد ترتيب الأولويات: «قبل أن تعمل، اعرف لماذا تعمل؛ وقبل أن تمتلئ يداك بالأعمال، املأ قلبك بالكلمة». وأضاف أن الإنسان يستطيع أن يعمل كثيرًا ويبقى في النهاية فارغ اليدين إذا كان عمله بلا روح أو غاية، أما حين يسمع كلمة الله ويعيش منها، فيصبح لعمله معنى، ولتعبه قيمة، ولخدمته قداسة.

وأكد أن «المطلوب واحد» هو أن نصغي أولًا إلى كلام الله، «لكي نعرف كيف نعمل، ولمن نعمل، ولماذا نعمل».

ورحّب البطريرك الراعي بالمشاركين في الليتورجيا الإلهية، وخصّ بالترحيب المونسنيور Natale Albino من أمانة سر حاضرة الفاتيكان، والكشاف الماروني في مدينة حلب يرافقه المونسنيور الياس عدس، والوفد من محامي رابطة خرّيجي كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية – فرع جل الديب، يرافقه نقيب المحامين السابق جورج جريج، إلى جانب رئيس وأعضاء رابطة سيدة إيليج، والوفد الآتي من بلدة حصارات – جبيل.

وتابع الراعي أن إنجيل مرتا ومريم هو «إنجيل الصلاة والعمل»، فمرتا تعمل ومريم تصغي، والعمل في ذاته صالح والصلاة ليست هروبًا منه، لكن يسوع يريد أن يقول إن العمل إذا انفصل عن الله قد يتحول إلى تعب واضطراب، فيما تجعل الصلاة الحقيقية العمل رسالة.

وأوضح أن مرتا لم تكن تقوم بعمل سيئ، بل كانت تخدم يسوع، إلا أن المشكلة كانت في أنها أصبحت «مرتبكة في خدمة كثيرة»، حتى أخذت كثرة العمل منها هدوء القلب، فبدأت تقارن نفسها بأختها وتشتكي منها. أما مريم، فجلست عند قدمي الرب تسمع كلامه، لتصبح صورة للإنسان الذي يعرف أن هناك لحظة يجب فيها أن تتوقف اليد لكي يسمع القلب.

وشدّد على أن الرسالة تكمن في أن الإنسان، إذا سمع كلمة الله، عاش منها، أما إذا لم يسمعها فقد يعمل كثيرًا ثم يكتشف أن يديه فارغتان. وقال إن شخصين قد يقومان بالعمل نفسه، لكن أحدهما يحوله إلى خدمة والآخر إلى مصلحة، وقد يتوليان المسؤولية نفسها، فيعيشها أحدهما رسالة والآخر سلطة، لأن الفرق ليس دائمًا في العمل بل في القلب الذي يعمل.

وأضاف: «الصلاة لا تعفينا من العمل، بل تعلمنا كيف نعمل. والعمل لا يعفينا من الصلاة، بل يصبح المكان الذي نعيش فيه ما صليناه»، مؤكدًا أن الصلاة تساعد الإنسان على تقديس العمل وتقديس ذاته بالعمل، من خلال الأمانة واحترام الإنسان ورفض الغش والظلم.

وانتقل البطريرك الراعي إلى الشأن الوطني، فقال إن لبنان أيضًا يحتاج، وسط كثرة الأصوات والمواقف والحسابات، إلى أن يعرف ما هو الأساسي وما هو الثانوي.

وأضاف: «لبنان تعب من كثرة الكلام وقلة الإصغاء، تعب من كثرة الحركة وقلة الاتجاه، وتعب من إدارة الأزمات بدل الذهاب إلى جوهرها». ولفت إلى أن قول يسوع لمرتا: «أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة»، يشبه إلى حد بعيد الواقع الوطني اللبناني، بما يحمله من ملفات وخلافات ومصالح وأصوات كثيرة، «فيما المطلوب يبقى واحدًا: لبنان، والدولة، والإنسان».

وأوضح أن الإصغاء إلى كلام الله على المستوى الوطني يعني أن يعود الحق أعلى من المصلحة، والعدالة أقوى من المحاصصة، وكرامة الإنسان فوق الحسابات، وأن تتحول المسؤولية من موقع إلى خدمة، مؤكدًا أنه كما تقدّس الصلاة العمل، كذلك تعطي القيم العمل الوطني معناه.

وتوقف الراعي عند الأوضاع في الجنوب، مشيرًا إلى أن الأهالي لا يزالون يدفعون ثمن الاعتداءات والتصعيد، وقال: «نرفع الصلاة من أجل الضحايا والمتضررين، ومن أجل حماية أهلنا وأرضنا، ووقف الاعتداءات، وعودة الاستقرار إلى القرى والبيوت، لكي يبقى أهلها في أرضهم آمنين مكرّمين».

وأعرب عن تطلعه إلى أن تُثمر المفاوضات الجارية حلًا ثابتًا يحفظ لبنان وحقوقه، ويؤدي إلى وقف الاعتداءات والانسحاب من أرضه واستعادة كامل سيادته، لافتًا إلى أن المحادثات التي جرت في روما لا تزال تبحث في هذه الملفات ولم تصل بعد إلى الحل المنشود.

وأكد أن الدولة وحدها يجب أن تكون صاحبة السيادة والقرار على كامل أراضيها، وأن يكون الجيش والمؤسسات الشرعية ضمانة وحدة الوطن وأمنه واستقراره، وقال: «الوطن لا يقوم بقرارين، والدولة لا تستقيم بسلطات متوازية، والسيادة لا تتجزأ».

وأضاف أن السيادة تعني بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وأن يكون القرار بيد المؤسسات الشرعية وحدها، مؤكدًا الوقوف إلى جانب الجيش اللبناني في مهمته الوطنية، والرغبة في أن يكون قويًا وقادرًا على حماية الحدود وتثبيت الاستقرار وبسط سلطة الدولة، «لأنه جيش الوطن ومؤسسة لجميع اللبنانيين».

وفي ملف العدالة، شدّد الراعي على أنها لا يجوز أن تتحول إلى وجهة نظر أو تسوية سياسية، وأنها لا تكون طائفية ولا انتقائية ولا تميّز بين مواطن وآخر.

وقال: «القانون يجب أن يكون واحدًا، والعدالة واحدة، وكرامة الناس واحدة»، مؤكدًا ضرورة معالجة الملفات الوطنية بعيدًا عن الحسابات السياسية والطائفية، وبمساواة أمام القانون، «فلا عدالة إذا اختلف الميزان باختلاف الأشخاص والطوائف والمواقع، ولا دولة إذا أصبح الحق خاضعًا للحسابات والمصالح الخاصة والفئوية».

وختم البطريرك الراعي عظته بالصلاة قائلًا: «يا رب، علّمنا أن نصغي إليك قبل أن نعمل، وأن نجعل من عملنا صلاة ومن صلاتنا خدمة. احفظ لبنان، ووحّد أبناءه، وامنحه سلامًا وعدالة ودولة قوية. فنصلّي ونعمل، ونعمل بالصلاة. لك المجد والشكر إلى الأبد، آمين».

المصدر: صوت المحبّة