الأخبار

العالم

جمجمة القديسة روزا دي ليما... ذخيرة تحفظ إرث أولى قديسات أميركا

جمجمة القديسة روزا دي ليما... ذخيرة تحفظ إرث أولى قديسات أميركا

تحتفل الكنيسة الكاثوليكية في 23 آب بعيد القديسة روزا دي ليما (1586–1617)، وفي هذه المناسبة تتجه الأنظار إلى أبرز ذخائرها من الدرجة الأولى، وهي جمجمتها المحفوظة في بازيليك الوردية المقدسة في دير القديس دومينيك، في العاصمة البيروفية ليما.

وأوضح الراهب الدومينيكي الأب لويس إنريكي راميريز، رئيس البازيليك الواقعة في المركز التاريخي لليما، كيفية حفظ هذه الذخيرة ومكان وجودها داخل الكنيسة التاريخية الموكلة إلى رهبنة الواعظين.

وأشار إلى أن جمجمة القديسة روزا موجودة في البازيليك منذ أواخر القرن التاسع عشر، أي تقريبًا منذ إنشاء المذبح ذي الطراز الكلاسيكي الجديد الذي يحتضن الذخيرة.

ويضم صندوق الذخائر أيضًا ذخائر مهمة للقديس مارتن دي بوريس والقديس يوحنا ماسياس، وهو مؤلف من قسمين: الأول يضم جمجمة القديسة روزا، التي تعلوها إكليل من الورود كان مصنوعًا في الأصل من الذهب قبل أن يُستبدل بالفضة بعد سرقة الإكليل الأصلي، فيما يحتوي القسم الثاني على علبة صغيرة تضم بعض عظامها.

كما تُحفظ قطعة قماش مطرزة بيد القديسة، تشكل نموذجًا من الأعمال التي اعتادت القيام بها.

ولفت الأب راميريز إلى أن عظام القديسة قُسّمت، مع مرور الزمن، إلى أجزاء صغيرة جدًا، ما يفسر وجود ذخائر للقديسة روزا دي ليما في عدد كبير من الأماكن حول العالم.

أما منزل القديسة روزا، الواقع على مقربة من دير القديس دومينيك، فيحفظ عشرة مقتنيات تعود إلى أولى قديسات القارة الأميركية، من بينها خاتم خطوبتها الروحية للرب، وتراب من قبرها، ورسالة كتبتها بخط يدها.


لماذا تحتفظ الكنيسة بذخائر القديسين؟

وأوضح الأب راميريز أن ذخائر القديسين تمثل وسيلة تتيح للمؤمنين المشاركة في قداسة الشخص الذي يكرمونه، مشيرًا إلى أن الاقتراب من القديسين ومن ذخائرهم تقليد قديم جدًا في الكنيسة.

وأضاف أن وجود المؤمن بالقرب من ذخائر القديسين يمنحه دفعًا وتشجيعًا، ويساعده على السعي إلى عيش حياته في حالة النعمة.

وأشار إلى أنه، في ظل الاتجار الحالي بالذخائر وخطر التزييف، وضع الكرسي الرسولي ضوابط أوضح وأكثر صرامة للتعامل مع طلبات الحصول على ذخائر القديسين، ولا سيما من أجل التحقق من أصالتها.

وأوضح أن هذه الإجراءات تتطلب موافقة أسقف، وفي حالة القديسة روزا دي ليما، موافقة الرهبنة الدومينيكية أيضًا.


موقع «الخطوبة الصوفية»

وفي داخل البازيليك، على الجانب الأيسر من صحن الكنيسة، توجد لوحة مثبتة في الأرض تشير إلى المكان الدقيق الذي شهد «الخطوبة الصوفية» للقديسة روزا دي ليما عام 1617، حين كرست ذاتها بالكامل للرب بعد أن سمعت الكلمات: «روزا، كوني عروسي».

وبحسب الأب راميريز، كانت القديسة قد جاءت إلى المكان الذي كانت تقوم فيه آنذاك كابيلا سيدة الوردية لتودعها، استعدادًا للانضمام إلى رهبنة الكلاريس الفقيرات، بعدما جمع أصدقاؤها المال اللازم لتمكينها من دخول الدير مع المهر المطلوب، وفق العادة السائدة في ذلك الزمن.

وأوضح أنها جاءت لتودع سيدة الوردية، ممثلة بالصورة التي كانت موجودة آنذاك في الكابيلا، في الموضع نفسه الذي توجد فيه اللوحة اليوم، وهناك حصلت الظاهرة التي أصبحت فيها ثقيلة إلى درجة تعذر تحريكها، كما جرت في المكان نفسه خطوبتها الصوفية للطفل يسوع.

وأضاف أنها أدركت عندها أن الله لا يريد لها أن تكون راهبة، بل علمانية، فقررت الانضمام إلى الرهبنة الدومينيكية الثالثة كعلمانية في دير القديس دومينيك في ليما.


كابيلا جديدة وذخيرة أخرى من الدرجة الأولى

وخلال جولة في متحف دير القديس دومينيك، عرض الأب راميريز كابيلا «جديدة» أُنشئت قبل نحو عشر سنوات في مساحة كانت سابقًا غرفة لأحد الرهبان الدومينيكيين.

وأوضح أن المذبح الرئيسي للكابيلا يحمل تمثال القديسة روزا دي ليما، شفيعة البيرو وأميركا والفيليبين، الذي يُحمل في موكب خلال احتفالات 29 و30 آب.

وتحت التمثال تُحفظ ذخيرة أخرى من الدرجة الأولى، هي لوح كتف القديسة روزا دي ليما، فيما خُصصت الكابيلا كلها لتكريمها.

وتضم الكابيلا لوحات قديمة وحديثة، بينها صور للقديسة كاترينا السيانية التي كانت القديسة روزا شديدة التعبد لها، فضلًا عن صور «الطبيب الصغير»، وهو الاسم الحميم الذي كانت تطلقه على الطفل يسوع الذي كرّسته له تعبّدًا خاصًا.

كما تضم صورة سيدة الوردية التابعة لأخوية الكريول، إلى جانب ما وصفه راميريز بأهم عمل نحتي في المكان، وهو منحوتة رخامية للفنان ميلكيوري كافا، كانت حاضرة في احتفال تطويب القديسة روزا في بازيليك سانتا سابينا في روما عام 1668.


قديسة علمانية ونموذج معاصر

وفي حديثه عن الدروس التي يستطيع الكاثوليك اليوم استلهامها من حياة القديسة روزا، شدّد الأب راميريز على أنها كانت علمانية، وليست راهبة مكرسة، إذ عاشت في منزل عائلتها.

وأشار إلى أنها عملت في مجالات مختلفة، من بينها التطريز والمساعدة في منازل أخرى، من أجل الإسهام في إعالة عائلتها.

وفي الوقت نفسه، كانت واعية بعمق لحضور الله في حياتها، وعاشت صلاة صوفية عميقة، مقتدية بالقديسة كاترينا السيانية في ما يُعرف بـ«القلاية الداخلية».

وأوضح راميريز أن هذا يعني أنها لم تكن تملك قلاية مادية تنسحب إليها كما في الأديرة، بل كانت لديها «قلاية داخلية» تلجأ إليها، وقد عاشت في إطارها اختبارات صوفية عديدة.

وعاشت روزا دي سانتا ماريا، كما تُعرف أيضًا، حياة ملتزمة بعمق تجاه المتألمين والمحتاجين في مجتمعها، ولا سيما الفقراء الذين لم يقتصر دعمها لهم على النصيحة، بل شمل أيضًا الرعاية الطبية والتعزية والمساعدة بمختلف أشكالها.

ومن هنا، رأى الأب راميريز أن القديسة روزا دي ليما تشكل «نموذجًا معاصرًا جدًا» لكل كاثوليكي اليوم، إذ يستطيع المؤمن، على مثالها، أن يعمل ليكسب قوته، وأن يلتزم بحياة صلاة عميقة، وفي الوقت نفسه أن ينخرط في العمل الاجتماعي وخدمة المحتاجين، عائشًا حياة ملتزمة داخل الكنيسة وفي روح الموهبة الدومينيكية.

المصدر: وكالة الأنباء الكاثوليكية