الأخبار
البطريرك الراعي في إيليج: حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة
ترأس غبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، صباح الأحد 20 أيلول 2026، القداس الإلهي تكريمًا لشهداء المقاومة اللبنانية، بدعوة من رابطة سيدة إيليج، وذلك في كنيسة سيدة إيليج سلطانة الشهداء – ميفوق القطارة.
وعاون البطريرك الراعي في القداس المطارنة ميشال عون ومنير خيرالله والياس نصار، إلى جانب عدد من الكهنة، بحضور فاعليات رسمية وسياسية واجتماعية وحزبية، وحشد كبير من المؤمنين.
واستهل الراعي عظته بالآية: «ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدِم» (مر 10: 45)، معتبرًا أن المسيح يضع الإنسان أمام انقلاب كامل في مقاييس العالم، إذ أعاد يعقوب ويوحنا، ومعهما سائر التلاميذ، من حلم المكان إلى حقيقة الرسالة، ومن البحث عن الأولوية إلى معنى الخدمة.
وقال إن التلميذين أرادا أن يعرفا أين سيجلسان، فأراهما المسيح كيف ينبغي أن يعيشا؛ طلبا مكانًا في المجد، فكلّمهما عن كأس آلامه، وفكّر التلاميذ في من يكون الأول، فأعلن لهم يسوع أن الأول هو من يعرف كيف يكون خادمًا للجميع.
وأضاف أن المسيح «لا يلغي القيادة، بل يطهّرها من التسلّط، ولا يلغي السلطة بل يعيدها إلى غايتها، ولا يلغي الأولوية، بل يجعلها قيادة الخدمة وبذل الذات».
وتوقف عند كون المناسبة تأتي في الأحد الأول بعد عيد الصليب، مؤكدًا أن الصليب «ليس زينة على مذابحنا»، بل هو المكان الذي بلغ فيه منطق المسيح غايته، إذ جاء ليخدم، وعلّم بذل الذات، ودعا إلى المحبة، وفتح ذراعيه على الخشبة ولم يغلقهما في وجه أحد.
وانطلاقًا من ذلك، قال الراعي إن الوقوف في إيليج أمام ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية ليس وقوفًا عند الموت، بل أمام معناه الأعمق، لأن العظمة لا تكمن في أن يخدمنا الآخرون، بل في مقدار ما نستطيع نحن أن نقدمه لهم.
وأضاف: «شهداؤنا خدمونا وخدموا الوطن ببذل دمائهم وحياتهم لنحيا نحن. العظمة في منطق المسيح خدمة وبذل وفداء».
ورحّب الراعي بالمشاركين في «هذا الموعد السنوي الذي يعيدنا كل عام إلى ذاكرة لا تشيخ، وإلى أسماء حفرتها التضحية في وجدان لبنان»، مستذكرًا رجالًا حملوا في زمن المحنة قضية آمنوا بها، ومضوا حتى النهاية دفاعًا عما رأوه حرية وكرامة ووجودًا ووطنًا.
وأكد أن الذبيحة الإلهية تُرفع لراحة نفوس شهداء المقاومة اللبنانية، مستذكرًا الذين قدّموا أغلى ما يملكه الإنسان، أي حياتهم، وبقيت أسماؤهم أمانة في ذاكرة رفاقهم وعائلاتهم وفي تاريخ وطنهم.
كما ذكر «الشهداء الأحياء الذين يحملون في أجسادهم ليس فقط آثار الحرب، بل أيضًا جراحات المسيح الفادي»، موجّهًا إليهم تحية تليق بتضحياتهم، ومنحنيًا أمام دمائهم، ومضمّنًا الصلاة لعائلاتهم التي حملت بعدهم وجع الغياب وكرامة الذكرى.
وأشار الراعي إلى أن هؤلاء لم يطلبوا لأنفسهم مكانًا في التاريخ، بل أعطوا من ذواتهم فكتب التاريخ أسماءهم، ولم يقيسوا الوطن بما يستطيع أن يعطيهم، بل بما كانوا مستعدين لأن يعطوه.
وقال: «فلولا الشهداء، لما بقي لبنان كما عرفناه وأحببناه. هم الذين دفعوا من حياتهم ثمنًا لبقائه، وحملوا بدمائهم أمانة حريته وكرامته وسيادته».
وشدد على أن الوفاء لهم لا يكتمل باستعادة الماضي، بل ببناء لبنان الذي أرادوه «حرًا، كريمًا، سيدًا على أرضه وقراره، وطنًا يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيه بأمان وكرامة».
وتوقف البطريرك الراعي عند الشعار الذي اختارته رابطة إيليج للمناسبة، «طوبى لصانعي السلام» (متى 5: 9)، مؤكدًا أن السلام ليس نسيانًا للتضحيات، ولا تنكرًا للذاكرة، ولا تنازلًا عن الحق.
وقال إن المسيح لم يقل «طوبى للذين يتمنون السلام»، بل «لصانعيه»، لأن السلام، بحسب تعبيره، «يُصنع بإرادة وشجاعة وعدالة وقرار وثبات على الحق»، ولا يقوم على محو الحقيقة، بل على جعلها طريقًا إلى العدالة والمصالحة.
وأضاف أن هذا السلام هو «سلام الأقوياء بالحق، لا سلام العاجزين عن الدفاع عنه»، وهو سلام يحفظ السيادة، ويحمي الإنسان، ويصون الأرض، ويعيد إلى الدولة حقها الكامل في أن تكون المرجع لجميع أبنائها.
وانتقل الراعي إلى البعد الوطني والسياسي لكلمة المسيح «ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدِم»، معتبرًا أنها ليست قاعدة للحياة الروحية فحسب، بل «مقياس صارم للحياة الوطنية والسياسية» أيضًا.
وقال إن المنصب العام، إذا لم يكن خدمة، يتحول إلى تسلّط، والسلطة إذا لم تكن مسؤولية تتحول إلى إهمال، والسياسة إذا لم تكن في خدمة الناس تتحول إلى صراع دائم على الحصص والمواقع.
وتوجّه إلى كل صاحب مسؤولية بالقول: «ليست قيمة موقعك في عدد الذين يقفون في خدمتك، بل في عدد الذين تستطيع أنت أن تخدمهم من خلال موقعك».
وأكد أن لبنان يحتاج اليوم إلى ثقافة الخدمة التي تعيد إلى الدولة معناها: «خدمة المواطن في الإدارة، وخدمة العدالة في القضاء، وخدمة الحقيقة في السياسة، وخدمة المصلحة العامة في الاقتصاد، وخدمة فوق كل ولاء خاص».
وشدد البطريرك الراعي على أن «حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة»، معتبرًا أن هذه الحماية تكتمل «بدولة واحدة، وجيش قوي، وسيادة كاملة، وحياد يحمي قراره، وجنوب آمن، ودولة تستعيد ثقة أبنائها».
وأوضح أن الدعوة إلى حصر السلاح تتعلق «بمبدأ الدولة نفسها»، بحيث يكون قرار الحرب والسلم مسؤولية المؤسسات الشرعية التي تتحمل القرار أمام جميع اللبنانيين، مؤكدًا أن «الوطن الواحد لا يستطيع أن يعيش طويلًا بقرارات متوازية».
ورأى أن لبنان، من خلال حياده، «لا يهرب من محيطه، ولا يتخلى عن قضايا الحق، بل ينصرف إلى خدمة الحوار والدفاع عن حقوق الشعوب».
كما شدد على أن الجنوب «ليس ورقة تفاوض»، بل أرض لبنانية وأهله مواطنون لهم الحق في الأمن والحياة والاستقرار، داعيًا إلى وقف الاعتداءات، وحفظ الأرض والحقوق، وعودة الاستقرار «ثابتًا لا مؤقتًا».
وفي ما يتعلق بالمفاوضات، قال الراعي: «نحن مع كل مسار سياسي ودبلوماسي جدي يحمي لبنان ويجنبه الحرب، ويحقق انسحابًا وحقوقًا وسيادة وأمنًا واستقرارًا».
وأكد أن لبنان يحتاج، في السياسة، إلى «رجال دولة يضعون الوطن فوق مواقعهم»، وفي المجتمع إلى أناس يرفضون لغة التحريض، وفي الإعلام إلى كلمة مسؤولة لا تحوّل الاختلاف إلى عداوة، وفي البيوت إلى تربية لا تورث الجيل الجديد أحقاد الماضي.
وأضاف: «نحن، إذ نحفظ ذاكرة شهداء المقاومة اللبنانية، لا نريد أن نضعهم في الماضي، بل أن نحمل إلى المستقبل القضية التي من أجلها بذلوا حياتهم».
وتطرق الراعي كذلك إلى ملف تفرّغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، معتبرًا أن الممارسات التي شهدها هذا الملف على مدى سنوات أوصلته إلى «إخلال في التوازن الوطني».
وطالب، مع المطالبين، بإعادة دراسة الملف «في أسرع وقت ممكن وإقراره إنصافًا للأساتذة المستحقين»، داعيًا المسؤولين جميعًا إلى تغليب معيار الشراكة الوطنية، مع مراعاة المعايير الأكاديمية.
وفي ختام عظته، رفع الراعي الصلاة قائلًا: «يا رب، يا من جئت لتخدم وتبذل ذاتك من أجل الجميع، اجعلنا فاعلي سلام وخدّامًا للحق والوطن. ارحم شهداء المقاومة اللبنانية، وعزِّ عائلاتهم، واحفظ لبنان حرًا، سيدًا، آمنًا، ومتصالحًا مع نفسه».
وأضاف: «أعط شهداءنا المجد والرحمة والذكر الطيب، وللبنان السلام والقيامة، ولله المجد والشكر، الآن وإلى الأبد، آمين».