الأخبار

العالم

باريس تنتظر البابا لاوُن الرابع عشر... بين نور نوتردام وجراح الضواحي

باريس تنتظر البابا لاوُن الرابع عشر... بين نور نوتردام وجراح الضواحي

تستعد باريس لاستقبال البابا لاوُن الرابع عشر، الجمعة 25 أيلول، في زيارة تتجاوز الصورة الرومانسية المعتادة للعاصمة الفرنسية، لتضع الحبر الأعظم أمام وجوه متعددة لمدينة النور: من تحديات الاندماج الاجتماعي في Maison Bakhita، إلى الفقر المادي في سان دوني، وصولًا إلى الحاجة الروحية التي يجيب عنها إرث تاريخي وفني عريق تحتضنه كاتدرائية نوتردام وتعمل منظمة اليونسكو على تعزيزه.

«باريس عيد متنقل»، كتب إرنست همنغواي في كتاب مذكراته غير المكتمل، مستعيرًا من الأعياد الدينية المتنقلة صورتها ليصف روح العاصمة الفرنسية في عشرينيات القرن الماضي، في زمن «الجيل الضائع» الباحث بحنين عن «الأيام الجميلة الماضية، حين كنا فقراء جدًا وسعداء جدًا».

وبعد قرن، تأخذ صورة العيد الممتزج بالحنين ملامح مختلفة في وجوه المستفيدين من مركز المواكبة والاندماج الاجتماعي Maison Bakhita في الضواحي، وفي عيون شباب سان دوني، شمال شرقي باريس.

فهناك، لا يقتصر وصف «القسوة» على الطراز المعماري لمجمع السكن الاجتماعي الشهير Îlot 8، بل يطال واقع حي يعيش فيه 30 في المئة من السكان تحت خط الفقر.

ويستعد هؤلاء الشباب للقاء البابا مساء الجمعة في ملعب فرنسا، في موقع يشكّل بدوره رمزًا لمحاولة لم تنجح إلا جزئيًا في الجمع بين طموحات إعادة التأهيل العمراني وتجاوز الوصم الاجتماعي المتجذر.


سهرة الشباب... ختام اليوم الأول

وتشكّل سهرة الصلاة مع الشباب المحطة الأخيرة في اليوم الأول من زيارة البابا إلى العاصمة الفرنسية، على أن تبدأ عند التاسعة مساءً بمشاركة نحو 80 ألف شاب وشابة، إلى جانب آخرين يتابعون الحدث من خارج الملعب.

وقال نيكولا، وهو عضو في الرسالة الكاثوليكية الإيطالية في باريس، التي أوكلت منذ عام 1936 إلى رعاية المرسلين السكالبريانيين، لوسائل إعلام الفاتيكان: «أتوقع البساطة والخفة».

أما إيزابيل فقالت: «رسالة يسوع تمنحنا الطمأنينة في زمن يسوده قلق هائل»، في صورة تعكس مفارقة بلد جعل تاريخيًا من العلمانية إحدى ركائزه، فيما يشهد في الوقت نفسه ارتفاعًا في أعداد الموعوظين، ولا سيما بين الشباب.


باريس تتزيّن لاستقبال البابا

وتتهيأ شوارع العاصمة للزيارة، فيما يقطع البابا نحو 2.5 كيلومتر في السيارة البابوية، وسط الأعلام الفاتيكانية الصفراء والبيضاء المنتشرة على طول شارعي مونبارناس وسان ميشال، بعدما وُزّع منها نحو 350 ألف علم.

ويبرز في المشهد التناقض الذي يرافق الأحداث الكبرى: خفة وفرح نحو 500 ألف حاج يُتوقع وصولهم إلى باريس، في مقابل صرامة الإجراءات الأمنية التي يشارك فيها 15 ألف شرطي ودركي وعسكري من قوات عملية سانتينيل، وهي المهمة التي أطلقها الجيش الفرنسي في 12 كانون الثاني 2015 عقب الاعتداءات الإرهابية في باريس، ومنها الهجوم على صحيفة «شارلي إيبدو».

وفي موازاة القوى الأمنية، يشارك 15 ألف متطوع في تنظيم الزيارة، فيما نُصب أكثر من 30 كيلومترًا من الحواجز في مختلف المواقع، إلى جانب 50 شاشة عملاقة تتيح متابعة محطات الزيارة.

ومن بين المتطوعين بيار-ألكسيس لو مارشان، الذي عبّر لوسائل إعلام الفاتيكان عن انتظار جيله من أسقف روما كلمات تحمل المصالحة والوحدة.


نوتردام... «النور الجديد»

وإذا كانت بازيليك سان دوني تُعد مهد العمارة القوطية، فإن كاتدرائية نوتردام دو باري، في قلب «إيل دو لا سيتي»، تجسّد إحدى ذُراها.

وفيها، يترأس البابا صلاة الغروب في وقت متأخر من بعد الظهر مع الجماعة الكنسية المحلية.

فالضوء المتسلل عبر الزجاج الملوّن على جانبي أروقة الكاتدرائية الشاهقة لا يشكّل عنصرًا ماديًا فحسب، بل يلخّص مفهوم Lux Nova، «النور الجديد»، الذي تبلور في القرن الثاني عشر، حيث عُدّت أشعة الضوء تجليًا ملموسًا لحضور الله على الأرض.


قداس وسط ذاكرة التاريخ

وعلى امتداد نهر السين، ينتقل المشهد من نظام العصور الوسطى إلى التحول الذي حمله عصر التنوير، وصولًا إلى ساحة الكونكورد، المكان الذي شهد دماء الذين أُعدموا بالمقصلة خلال الثورة الفرنسية وانهيار النظام القديم.

غير أن الساحة تستعد هذه المرة لاحتضان القداس الذي يترأسه البابا بعد ظهر السبت، وقد نُصبت فيها خيام ضخمة وأُعدّ نحو طن من القربان من أجل الاحتفال.


الإليزيه واليونسكو

وعلى مسافة قريبة، عبر شارع فوبور سان أونوريه، يقع قصر الإليزيه الذي شُيّد عام 1722 ويشكّل اليوم المقر الرسمي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يلتقيه البابا لاوُن الرابع عشر بعد وقت قصير من وصوله إلى مطار باريس – أورلي الدولي.

ومن الضفة اليسرى لنهر السين، يصل الزائر إلى ساحة فونتنوا، حيث مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو، الذي افتُتح عام 1958 وسبق أن زاره القديس يوحنا بولس الثاني في 2 حزيران 1980.

وصُمم مقر المنظمة ليكون أشبه بمتحف مفتوح، يضم بين أعماله تحفة بابلو بيكاسو «سقوط إيكاروس»، على أن تُضاف خلال المناسبة مجموعة من الأعمال المكرسة للسلام، إلى جانب رسوم حول الموضوع نفسه أنجزها أطفال باريس.


Maison Bakhita... «بأذرع مفتوحة»

ومن قلب «إيل دو لا سيتي» إلى ضواحي العاصمة حيث يقع مشروع الاندماج الاجتماعي Maison Bakhita، يتبدل المشهد مرة أخرى.

ففي المركز، لا يسمع صخب التاريخ، بل صمت المعاناة الراهنة. وهو يحمل اسم القديسة جوزفين بخيتة، الراهبة السودانية ورمز النضال ضد العبودية، التي عرفت في حياتها قيودًا مادية تحولت اليوم، لدى كثيرين، إلى قيود من نوع آخر، داخلية لكنها لا تقل إلحاحًا.

ويستمع البابا هناك إلى شهادات عن تجارب «تحرر»، وإلى قصص استقبال «بأذرع مفتوحة»، وهما أيضًا اسما جمعيتين تعرضان خبراتهما أمام الحبر الأعظم.

كما يستمع إلى شهادات عن خدمة تُقدَّم «بأيدٍ عارية»، لا يملك أصحابها ما يقدمونه سوى وقتهم، وهي الفلسفة التي توجّه عمل جمعية Aux Captifs la Libération، بحسب ما أوضح مديرها العام تييري ديجوزور.


باريس... عيد يتحرك بين الأزمنة

وهكذا، يصبح «العيد» الذي يحمله البابا إلى باريس متنقلًا بالمعنى الحرفي، عابرًا أماكن تختصر مراحل مختلفة من تاريخ الإنسانية، وتصل بين عصور ورموز وحساسيات متباينة.

وفي فيلم Midnight in Paris، يحنّ أبطال كل زمن إلى زمن سبقهم، من الحاضر إلى «العصر الجميل» مرورًا بعصر النهضة، وكأن الماضي كان دائمًا أجمل من الحاضر.

أما شباب سان دوني والمستفيدون من Maison Bakhita، وما يحملونه من آمال مع وصول البابا، فيقدّمون صورة مختلفة: شباب وجمال لا ينبغي أن يبقيا أسيري الحنين، بل أن يُعاشا هنا والآن.

المصدر: فاتيكان نيوز