الأخبار
رسميًا... فولتون شين طوباويًا في الكنيسة الكاثوليكية
أعلنت الكنيسة الكاثوليكية رسميًا رئيس الأساقفة فولتون ج. شين طوباويًا، خلال قداس التطويب التاريخي الذي أُقيم في سانت لويس بولاية ميسوري، بحضور عشرات الآلاف من المؤمنين، حيث تلا الكاردينال لويس أنطونيو تاغلي الرسالة الرسولية للبابا لاوُن الرابع عشر وصيغة التطويب باللغة اللاتينية.
وبهذا الإعلان، منحته الكنيسة رسميًا لقب «الطوباوي فولتون ج. شين»، مستذكرة أحد رواد الإعلام الكاثوليكي الحديث، والقادة الرسوليين، والمبشّرين الذين حملوا الإنجيل إلى الملايين عبر الإذاعة والتلفزيون.
وعقب إعلان التطويب، كُشف عن صورة جديدة لشين في The Dome at America’s Center في سانت لويس، بالتزامن مع الكشف عنها عند ضريحه في كاتدرائية القديسة مريم للحبل بلا دنس في بيوريا بولاية إلينوي.
وأعلن البابا لاوُن الرابع عشر أن تذكار الطوباوي فولتون شين سيُحتفل به في 9 كانون الأول، ذكرى وفاته، على أن يُدرج، وفق المتوقع، في تقويم الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة.
وفي عظته خلال قداس التطويب، نقل الكاردينال تاغلي تحيات البابا لاوُن الرابع عشر، مؤكدًا أن الحبر الأعظم «يفرح بتطويب ابن وطنه، وابن إلينوي مثله، وشقيقه في الأسقفية».
كما دعا المؤمنين إلى الصلاة من أجل زيارة البابا الراعوية إلى فرنسا، التي تبدأ في اليوم التالي.
واستعاد تاغلي الرسالة الرسولية التي أعلن فيها البابا لاوُن الرابع عشر شين طوباويًا، ووصفه فيها بأنه «واعظ لا يكلّ للإنجيل عبر وسائل الاتصال الحديثة، وراعٍ مجتهد تحرّكه غيرة رسولية».
ورأى الكاردينال أن هذين البعدين يلخصان جانبين أساسيين من حياة شين: هويته كمبشّر بالإنجيل، ودعوته كراعٍ مرسل، مشيرًا إلى أن القراءات الثلاث التي أُعلنت خلال قداس التطويب وضعت بدورها التبشير والرسالة في صلب الاحتفال.
غير أن تاغلي طرح سؤالًا جوهريًا: ما الذي يجعل المبشّر طوباويًا؟ هل هو حجم الجمهور؟ أم اتساع انتشار برنامج إذاعي أو تلفزيوني؟ أم عدد الذين يستمعون ويقرأون ويتفاعلون؟
وكان جوابه أن طوباوية شين لم تكن في شهرته الإعلامية، بل في شركته مع المسيح وشركته مع الناس، ولا سيما الفقراء والضعفاء.
وأوضح تاغلي أن الرسالة المسيحية ليست مشروعًا يبتكره المبشّر أو يتبناه وفق أهوائه الشخصية.
وقال إن «الرب القائم يختار أصدقاءه ويرسلهم»، وبالتالي فإن المرسل هو، قبل كل شيء، إنسان دُعي وأُرسل.
واستعاد في هذا السياق حوارًا بين شين والبابا بيوس الثاني عشر، حين سُئل شين عن عدد الأشخاص الذين نجح في تحويلهم إلى الإيمان، فأجاب بأنه لم يحصهم قط، حتى لا يقع في تجربة الاعتقاد بأنهم ينتمون إليه أو أن ما تحقق كان ثمرة عمله الشخصي.
وكان شين يصف نفسه بأنه «مجرد بوّاب» تمكّن أحيانًا من قيادة الناس إلى باب بيت الله المفتوح.
وأوضح تاغلي أن المبشّر لا يمتلك الأشخاص الذين يلتقيهم، ولا ينسب إلى نفسه ما يفعله الله فيهم، بل يكتفي بفتح الباب أمامهم.
وقال: «طوبى لك، يا بوّاب باب بيت الله!»
واستعاد تاغلي قصة أخرى من حياة شين، حين سأله أحد أصدقائه مرة لماذا أصبح كاهنًا، فأجاب:
«دُعيت لأروي هذه القصة، قصة الإنجيل. لا أتعب أبدًا من روايتها، ولا أتعب أبدًا من تحسين الطريقة التي أرويها بها. أحب دعوتي».
وعلى مدى عقود، وجد شين وسائل جديدة لرواية هذه القصة، فوصل صوته إلى بيوت الأميركيين عبر الإذاعة والتلفزيون، فيما وسعت كتاباته وعمله الرسولي العالمي نطاق رسالته إلى ما وراء حدود الولايات المتحدة.
لكن تاغلي شدد على أن أهمية رسالة شين الإعلامية لم تكن في الشهرة التي حققها، بل في مضمون ما كان يعلنه والشخص الذي كان يبشّر به.
واستشهد بالقديس بولس الذي «لا يبشّر بنفسه، بل بيسوع المسيح ربًا»، موضحًا أن من يبشّر بذاته بدل المسيح يشوّه الغاية الحقيقية من التبشير.
فالمرسل، بحسب تاغلي، مدعو إلى معرفة يسوع، وإلى أن يسمح ليسوع بأن يعرفه ويرسله، ثم أن يعمل معه بتواضع.
وانتقل الكاردينال تاغلي إلى البعد الثاني من طوباوية المرسل، مؤكدًا أنه مدعو أيضًا إلى الشركة مع الناس والشعوب، ولا سيما الفقراء والضعفاء والمنسيين.
وأوضح أن الإنجيل لا يرسل تلاميذ المسيح إلى «عالم» مجرّد، بل إلى بشر لهم حياتهم وجراحهم وكرامتهم، ويجب اللقاء بهم شخصيًا.
وأشار إلى أن هذه المسألة كانت تشغل شين نفسه، الذي لاحظ مرة أن بعض الكهنة قد يتصرفون كما لو أنهم يمنحون الأسرار لـ«مجموعات مجهولة من الناس»، من دون الالتفات إلى الهوية الفردية للأشخاص الموجودين أمامهم.
ولفت تاغلي إلى أن الفقراء هم من بين أكثر الفئات عرضة لأن يبقوا بلا اسم أو حضور.
وتوقف الكاردينال عند حديث شين القوي عن مسؤولية الكنيسة تجاه الفقراء خلال المجمع الفاتيكاني الثاني، مستعيدًا مداخلة ألقاها شين في الدورة الثالثة للمجمع عام 1964، دعا فيها آباء المجمع إلى التأكيد على أهمية الفقر.
وأشار شين يومها إلى الانقسام الجغرافي الحاد بين مناطق الازدهار ومناطق ينتشر فيها الفقر، ولا سيما في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، مذكّرًا بأن عددًا كبيرًا من الأساقفة كانوا آتين من بلدان تعاني الفقر والاضطهاد.
ونقل تاغلي عن شين قوله: «كما أن المسيح المجروح وحده استطاع أن يحوّل توما الشاك، كذلك فإن كنيسة مجروحة بالفقر وحدها تستطيع أن تحوّل عالمًا شاكًا».
وأوضح أن العناية بالفقراء لم تكن بالنسبة إلى شين دعاية أيديولوجية، بل نتيجة مباشرة لاتباع يسوع، وجزءًا من الانتماء إلى الكنيسة، وعنصرًا لا ينفصل عن الدعوة الرسولية.
وأضاف أن شين حاول ترجمة هذه القناعة عمليًا، فكان يمنح الفقراء الأموال التي يحصل عليها من بعض التزاماته، ويشجع على دعم الكنائس الأفقر في مختلف أنحاء العالم.
واستعاد تاغلي إحدى القصص التي كان شين نفسه يرويها، عن زيارة قام بها إلى مركز في بولوبا بأوغندا، كان يعيش فيه نحو 500 شخص مصاب بالجذام.
وكان شين قد حمل معه صلبانًا فضية لتوزيعها عليهم.
وتقدم منه رجل فقد الجزء السفلي من ذراعه ويده، وكانت مسبحة معلقة على ما تبقى من ذراعه. ومدّ الأسقف يده ليقدم له الصليب، لكنه عندما رأى جسده المتضرر ارتجف خوفًا، فسقط الصليب على ذراع الرجل.
وقال تاغلي إن تلك اللحظة تحولت بالنسبة إلى شين إلى مواجهة داخلية مع معنى الهدية التي كان يحملها.
فالصليب يروي قصة المسيح الذي جعل نفسه ضعيفًا، ويسوع الذي لمس المتألمين، فكيف يمكنه أن يقدم علامة هذا المسيح فيما يتراجع خوفًا من الإنسان الواقف أمامه؟
وتغلب شين على خوفه، ولمس جسد الرجل المتضرر وأمسكه، ليبدأ بعدها، بحسب روايته، في رؤية نفسه واحدًا منهم، أي «الشخص رقم 501 المصاب بالجذام».
وفي ختام عظته، عاد الكاردينال تاغلي إلى صورة المسيح المجروح والإنسان المجروح، مؤكدًا أن قوة المرسل لا تأتي منه شخصيًا.
وأوضح أن المبشّر يبقى «إناءً من خزف» يحمل كنزًا مصدره الله، وأن اللقاء بالذين يتألمون يمكن أن يتحول إلى لقاء بالمسيح نفسه.
وقال: «طوبى للمبشّر الذي يتحول حين ينظر إلى جراح المسيح القائم من الموت ويلمسها في الإخوة والأخوات المجروحين».
ثم لخّص صورة الطوباوي الجديد بالقول: «طوبى للمرسل الذي يحفر عميقًا في قلب الفقير ليلتقي يسوع هناك».