الأخبار
البابا من الإليزيه: كرامة الإنسان والسلام أولًا
استهلّ قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، صباح الجمعة، زيارته الرسولية إلى فرنسا، التي تستمر حتى الاثنين المقبل، بلقاء السلطات المدنية وممثلي السلك الدبلوماسي والمجتمع المدني، مشددًا على أن حماية كرامة الإنسان وتعزيز السلام والحوار يجب أن يبقيا في صدارة الأولويات، ومحذرًا من أن التقدم العلمي والتكنولوجي، إذا لم يُوجَّه بالمسؤولية الأخلاقية، قد يتحول من أداة في خدمة الإنسان إلى مصدر يهدد حريته وحقوقه.
وبعد مراسم الاستقبال الرسمي في مطار أورلي، توجّه الحبر الأعظم إلى قصر الإليزيه، حيث قام بزيارة مجاملة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل أن ينتقل برفقته إلى صالة الاحتفالات للقاء السلطات وممثلي المجتمع المدني والسلك الدبلوماسي.
وفي كلمته للمناسبة، أشاد البابا بالمكانة الثقافية والفكرية والروحية لفرنسا، معتبرًا أنها أسهمت، على مدى قرون، في صياغة الفكر الأوروبي والعالمي من خلال جامعاتها ومدارسها ومؤسساتها العلمية والفنية. كما أشار إلى أن تراثها الثقافي والديني المتنوع قدّم نموذجًا للتعايش بين مختلف الأصول والانتماءات، رابطًا ذلك بقيم الحرية والمساواة والأخوّة التي يقوم عليها شعار الجمهورية الفرنسية.
وتوقّف البابا لاوُن الرابع عشر عند الجذور المسيحية لفرنسا، مستعيدًا محطات فكرية وثقافية أسهمت في ترسيخ مفهوم كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته الأساسية، ومؤكدًا أن احترام الكرامة الإنسانية والحقوق لا يجوز أن يتراجع أمام تسارع التطورات العلمية والتقنية.
وفي هذا السياق، حذّر من مخاطر الذكاء الاصطناعي إذا غابت عنه الضوابط الأخلاقية، مشددًا على ضرورة إبقاء الإنسان في قلب النقاش حول التكنولوجيا، وتنمية قدرة الأفراد والمجتمعات على التمييز بين ما هو ممكن تقنيًا وما هو صالح أخلاقيًا.
وأكد البابا أن المجتمع الحر لا يُبنى بفرض التجانس، بل بحماية تنوع الضمائر وفتح المجال أمام الحوار، معتبرًا أن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في فرنسا، حيث يعيش أشخاص من خلفيات ثقافية ودينية مختلفة ضمن مجتمع واحد.
وشدّد كذلك على أهمية التضامن ورعاية الفئات الأكثر ضعفًا، مشيرًا إلى الدور التاريخي للمؤسسات الكاثوليكية في فرنسا في مجالات العمل الخيري والرعاية الصحية والاجتماعية، وداعيًا إلى احترام الحياة الإنسانية في مختلف مراحلها، والتعامل مع الضعف والمعاناة بروح من الرحمة والمسؤولية.
وتطرّق الحبر الأعظم إلى مخاطر تحويل بعض التطورات العلمية والطبية إلى مجالات تجارية، محذرًا من ممارسات تشمل التلاعب الجيني وتأجير الأرحام والاتجار بالأعضاء، ومؤكدًا أن العلم والتكنولوجيا ينبغي أن يبقيا مرتبطين بالوعي الأخلاقي واحترام الإنسان.
وفي حديثه عن العلاقة بين الدين والدولة، دعا البابا إلى فهم العلمانية باعتبارها مساحة للحوار والتعاون، لا وسيلة لإقصاء الدين من المجال العام أو التعليمي، مشيدًا بالحوار القائم بين الكنيسة الكاثوليكية والحكومة الفرنسية، ومعتبرًا أن التعاون بين المؤسسات الدينية والسياسية قادر على الإسهام في خدمة الصالح العام.
وانتقل البابا لاوُن الرابع عشر إلى الحديث عن الشرق الأوسط، مثمّنًا التعاون الفرنسي مع الكنيسة الكاثوليكية في دعم المجتمعات المسيحية ومختلف الفئات في المنطقة، ومشيرًا إلى مشاريع تعليمية واجتماعية وإنسانية، من بينها صندوق مدارس الشرق الذي قدّم دعمًا لأكثر من 260 مؤسسة تعليمية في المنطقة، بينها سبع جامعات في لبنان وجامعة بيت لحم.
وأعرب البابا عن قلقه إزاء الحروب والمعاناة التي يعيشها السكان في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم، داعيًا إلى عدم التعامل مع الحرب باعتبارها أمرًا حتميًا، وإلى إعطاء الأولوية للحوار والدبلوماسية والعدالة بوصفها أسسًا لبناء السلام.
كما حذّر من سباق التسلح ومن الاعتقاد بأن امتلاك الأسلحة النووية يمكن أن يشكّل ضمانة دائمة للأمن، داعيًا إلى الحد من هذه الأسلحة والعمل من أجل نزع السلاح ضمن آليات رقابة فاعلة، ومشددًا على أن السلام لا يتحقق بمجرد توازن القوى، بل يُبنى يومًا بعد يوم من خلال الحوار والعدالة.
وفي ختام كلمته، دعا البابا فرنسا إلى مواصلة أداء دور فاعل في دعم السلام والتعددية، مؤكدًا قدرتها على الإسهام في مواجهة الأزمات الدولية من خلال الدبلوماسية والتعاون.
وتمنّى البابا لاوُن الرابع عشر لفرنسا وشعبها السلام والوحدة والازدهار، داعيًا إلى أن تتكامل الحرية والأخوّة والمساواة مع العدالة والتضامن، وأن تتحول الاختلافات بين الناس إلى مصدر إثراء للمجتمع، فيما يبقى الإنسان وكرامته في قلب الجهود الرامية إلى بناء مستقبل أكثر عدلًا وسلامًا.