الأخبار

العالم

البابا للشباب: لا تخافوا من دعوتكم... اختاروا الخير وجاهدوا من أجل السلام

البابا للشباب: لا تخافوا من دعوتكم... اختاروا الخير وجاهدوا من أجل السلام

في إطار زيارته الرسولية إلى فرنسا، ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر مساء الجمعة أمسية صلاة مع آلاف الشباب في «استاد فرنسا» بباريس، في لقاء اتسم بالحوار والصلاة والتشجيع على عيش الإيمان والشهادة للإنجيل. وأجاب خلال الأمسية عن سؤالين طرحهما شابان، تمحور الأول حول كيفية التوفيق بين الحماس لإعلان المسيح واحترام من لا يشاركون المسيحيين إيمانهم، فيما تناول الثاني كيفية تمييز الدعوة الشخصية وسط القلق وعدم اليقين، واكتشاف المكان الذي ينتظر فيه الرب كل شاب لكي يخدم ويهب حياته.

وفي إجابته عن السؤال الأول، الذي طرحته كلوي، البالغة 25 عامًا والطالبة في علم الصيدلة والناشطة في مجموعة شبابية كاثوليكية في الأحياء الشعبية في إيل دو فرانس تُدعى «La Cité Céleste»، انطلق البابا من قول القديس بولس: «الحياة عندي هي المسيح»، موضحًا أن هذه العبارة ليست مجرد تأكيد، بل خلاصة حقيقية لحياة الرسول وفعل إيمان وطريق قداسة يصل حتى الاستشهاد.

وأشار إلى أن الله ليس غريبًا أبدًا عن حياة الإنسان، بل يذهب للقائه ويدعوه ويحوّله من الداخل ويرسله إلى العالم، مؤكدًا أنه حتى وإن بدا المجتمع المعاصر غير مبالٍ بالله، «فالرب ليس غير مبالٍ بنا»، وهذه الحقيقة هي التي تمنح الرجاء.

ولفت البابا إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في ابتعاد كثيرين عن مسألة الله، بل أيضًا في ابتعادهم عن مسألة الإنسان، إذ يعيش بعض الأشخاص بأنانية ولا يهتمون بقريبهم، أو يسيئون إلى الفقراء ويبددون الخيرات في أمور باطلة، فيما يستبعد آخرون الأبرياء والمرضى، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بما ينتجه. وأشاد في هذا السياق بالتزام كلوي في الأحياء الشعبية، حيث يتحول الإيمان، وسط صعوبات الحياة اليومية، إلى شهادة حيّة للرجاء.

وأكد البابا لاوُن الرابع عشر أن الإنسان هو الذي يضلّ حين يقول إن الله قد مات، لأنه حين يعيش من دون الله يفقد معنى وجوده وخلاصه. أما من يقول: «الحياة عندي هي المسيح»، فيختبر أن الله لا يمكن أن يكون غير مبالٍ بالإنسان، وأنه في يسوع المصلوب والقائم يمنح حياته لكي يحيا البشر.

ومن هنا، رأى البابا أن إعلان المسيح يمكن أن يجمع بين الشجاعة والاحترام، عندما يُعلَن باعتباره إنجيل الخلاص وكلمة الحق والحياة. فالإنجيل، بحسب قوله، لا يقود إلى الصراع، بل يدعو إلى الغفران، ويربّي على العناية الأخوية، ويفتح اللقاء مع المسيح على الحوار ويمهّد للسلام، لأنه يقدم لكل إنسان وعد الحياة الأبدية.

وتوجّه البابا إلى الشباب مؤكدًا أن الخبرة الدينية لكل شخص تعبّر عن البحث عن المعنى الذي يسكن النفس البشرية، وأن الله، في يسوع فادي العالم، يجعل نفسه قريبًا من الإنسان ويخاطبه «كصديق».

وشدّد على إمكان الجمع بين الاندفاع الرسولي والأخوّة مع الذين لا يؤمنون أو ينتمون إلى تقاليد دينية أخرى، موضحًا أن هذه الأخوّة تقوم على الإصغاء والتقدير المتبادل، وتتجذر في وحدة الأسرة البشرية.

وأضاف أن بناء علاقة أخوية مع من لا يشاركون المسيحيين إيمانهم ليس فقط إسهامًا في بناء المجتمع، بل يمكن أن يصبح أيضًا ممارسة فعلية للإيمان والمحبة، «لأنه من المستحيل أن نشهد للمسيح من دون أن نحب الذين نريد أن نعلنه لهم». وأكد أن الرسالة المسيحية لا تشكل عائقًا أمام العيش المشترك، بل تعززه، كما أنها لا تتناقض مع احترام الأديان الأخرى.

بعد ذلك، أجاب البابا عن سؤال فرنسوا، وهو شاب نشأ في ريف بورغونيا ويدرس علم الزراعة ويشارك في خدمة أبرشيته، حول كيفية تمييز الشباب المكان الذي ينتظرهم فيه الرب لكي يخدموا ويقدّموا حياتهم.

وأعرب الأب الأقدس عن فرحه برؤية هذا العدد الكبير من الشباب تحرّكهم الرغبة في خدمة السلام، الذي «يجعلنا ننمو كرجال ونساء، ويحوّل المخاوف إلى رجاء والتذمر إلى مسؤولية». وأكد أن هذه الرسالة أصبحت أكثر إلحاحًا في ظل التحولات التكنولوجية والرقمية الراهنة، التي ينبغي الإبحار في قلبها بتمييز من دون الانتقاص من إنسانية الإنسان.

وأشار إلى أن الاهتمام بالصغار والأكثر ضعفًا يقود الإنسان أيضًا إلى الاعتراف بهشاشته الخاصة، وهي هشاشة لا ينبغي أن تخيف، بل أن توحّد البشر كإخوة وأخوات في المسيح.

وتوقف عند الإفخارستيا بوصفها «مصدر الحياة المسيحية كلها وذروتها»، مؤكدًا أن المؤمن يستمد منها القوة ليبذل نفسه في خدمة القريب، على مثال مجانية الرب يسوع. وأضاف أن السعي إلى العدالة والسلام يتطلب أيضًا إدراك الصراعات التي يعيشها الإنسان في داخله وتطهير القلب، لأن الجراح تجد العزاء والفداء حين تُوضع الحياة في خدمة الله والآخرين.

وقال البابا: «لا يوجد فشل لا يستطيع الله أن ينهضنا منه: فرحمته هي فرحنا»، متوقفًا عند القلق وعدم اليقين اللذين يثقلان حياة كثير من الشباب اليوم، في ظل هشاشة المشاريع المستقبلية والعلاقات العاطفية والروابط الإنسانية، إلى جانب إرهاق الشاشات والقلق المرتبط بالتغيرات المناخية والوضعين الاقتصادي والدولي.

ودعا إلى الإصغاء باهتمام إلى هذه المشاعر وإبقاء القلوب مفتوحة أمام آلام الرفاق، مؤكدًا أن الهشاشة نفسها تستطيع، بالنسبة إلى تلميذ المسيح، أن تصبح فرصة للشهادة. فمن يتبع يسوع في درب الخدمة المتواضعة والمجانية يتحرر من القلق ويستعيد الحماس، ويختبر فرحًا وسلامًا داخليين متجذرين في يقين الإيمان الذي تشهد له الكنيسة.

وأكد الحبر الأعظم أن الكنيسة «هشة ومقدسة»، كأوانٍ من خزف تحمل كنزًا، وأن الله، ولا سيما في لحظات الصعوبة، يعضد حرية الإنسان ويشجعه بنعمته. وأضاف أن التمييز يتحقق في الصداقة مع يسوع، من خلال التأمل والتضرع إلى الروح القدس، وهو ممارسة مستمرة تساعد المؤمن على السير بثبات وأمان.

وفي معرض حديثه عن كيفية ممارسة التمييز، دعا البابا الشباب إلى جعل كلمة الله مصباحًا لخطواتهم، وإلى الجمع، في نور الإنجيل، بين الصلاة والخدمة، والسجود والعمل، والصمت والإعلان، مشددًا على أهمية الصمت «النادر جدًا والضروري جدًا» بعيدًا من ضجيج وسائل الإعلام.

ودعاهم كذلك إلى التأمل في مثال القديسين الذين فتحوا، حتى وسط الاضطهاد، طرقًا للسلام، مستذكرًا القديس أوجين دو مازنود والقديس يوحنا ماري فياني، والقديسة تريز دو ليزيو، والطوباوية بولين جاريكو، والشهداء الخمسين في العمل الرسولي خلال الحرب العالمية الثانية، الذين خدموا إخوتهم حتى بذل حياتهم. وأكد أن هؤلاء غيّروا التاريخ لأنهم سمحوا أولًا للإيمان بأن يغيّر قلوبهم.

وتوجه البابا لاوُن الرابع عشر مباشرة إلى الشباب الباحثين عن دعوتهم قائلًا إن الرب لا يخاطبهم بطريقة غامضة، بل يتوجه إلى كل واحد منهم باسمه ويدعوه إلى اتباعه لأنه يحبه.

وأضاف أن قبول الإنجيل بعقل صافٍ وقلب نقي يسمح باكتشاف الطريقة التي يدعو بها يسوع كل إنسان إلى الخدمة، وهي دائمًا «عطية حياة: كاملة، أمينة، وممتلئة بالمحبة».

ودعا الشباب إلى مواجهة القلق وعدم اليقين بشجاعة قول كلمة واحدة: «شكرًا. شكرًا يا يسوع على محبتك»، لكي يتمكنوا، من دون خوف وبثقة وفرح، من القول: «ها أنذا، يا رب!».

وخصّ البابا بكلمة الذين يشعرون بدعوة إلى الكهنوت أو الحياة المكرسة، مؤكدًا أن الكنيسة في فرنسا «تحتاج إليكم كثيرًا، وهي تصلّي من أجلكم وتنتظركم». وأضاف: «لا تخافوا من هذه الدعوة! تحلّوا بالشجاعة، وثقوا بيسوع الذي يريد أن يجعلكم أصدقاءه الأقرب. فهو لن يخيبكم، وسيكون دائمًا إلى جانبكم، وستكون حياتكم جميلة وخصبة بصورة رائعة».

واختتم هذا الجزء من الحوار بالصلاة التي سلّمها القديس يوحنا بولس الثاني: «أيها المعلّم، يا من تحب الإنسان وتحترمه، يا من شاركت آلام الإنسان، يا من تنير سرّ الوجود البشري، اجعلنا نكتشف المعنى الحقيقي لحياتنا ولدعوتنا!».

وقبيل البركة الختامية، عاد البابا ليخاطب الشباب، داعيًا إياهم إلى جعل علاقتهم الحيّة بالمسيح مصدرًا للحرية الحقيقية، والإيمان قوة لبناء الأخوّة والسلام، ومؤكدًا أن الرسالة المسيحية لا تتعارض مع الحوار واحترام الآخرين، بل تجد في المحبة والخدمة طريقها الطبيعي إلى الشهادة.

وقال: «في الليل، يبدو لنا النور أكثر إشراقًا»، مشيرًا إلى أن كلمات القديس بولس تصبح كالمشعل الذي ينير صلاة المؤمن وتاريخ الكنيسة، لأن الله هو رب التاريخ، ومهما حدث فإنه يقوده نحو الخلاص، وفي المسيح يجد كل شر نهايته لتصبح هذه النهاية نفسها بداية حياة جديدة وأبدية.

وتوقف عند عبارة القديس بولس «رجال ونساء لله»، موضحًا أن الانتماء إلى الله يعني علاقة لا امتلاكًا، وأن من يعيش مع الله يكون حرًا من كل ما يحجب الحياة ويفرغها من معناها.

وتوجه إلى شباب فرنسا داعيًا إياهم إلى حمل توق عظيم إلى الحرية في قلوبهم، ومشيرًا إلى أن مصدر الحرية الحقيقية هو العلاقة الحية بيسوع، لأن المسيح نفسه يعلن أن الحق هو الذي يحرر الإنسان.

وأضاف أن رفقة الرب تمنح الحكمة للمشاريع والجمال للأماني، وأن الله يدخل إلى النفس كالنور ويدعو إلى تجدد دائم وتوبة تمنح الحياة معناها الكامل، مستعيدًا ثلاثة أفعال يستخدمها القديس بولس لمخاطبة الحرية الإنسانية: «تجنّب، واسْعَ، وجاهد».

وأوضح أن الفعل الأول، «تجنّب»، يعني رفض الكبرياء والغرور والعنف والجشع، لأنها مشاعر تستولي على الإنسان وتخفي وراءها عزلة عميقة. وحذر من أسلوب حياة يسعى إلى امتلاك كل شيء من دون أن يجعل الإنسان «أحدًا»، ويمنحه عددًا هائلًا من الإعجابات فيما يبقيه وحيدًا.

أما الفعل الثاني، «اسْعَ»، فيعني السعي إلى البر والتقوى والإيمان والمحبة والصبر والوداعة. وقال إن من يعيش مع الله يسعى دائمًا إلى الأفضل، وإن هذه الديناميكية التي تميز الحياة المسيحية تحمل اسمًا واضحًا: «مسيرة القداسة».

واستذكر في هذا السياق الطوباوي مارسيل كالو، الشاب الفرنسي الذي كان كشافًا وعاملًا، وظل وسط ظلمة معسكر الاعتقال يسعى إلى الخير ويحافظ على حريته الداخلية.

وشدّد البابا على أن تجنب الشر وحده لا يكفي، بل يجب اختيار الخير، معتبرًا أن اختيار الخير هو التعبير الحقيقي عن الحرية، ومن خلاله تنضج الحرية وتصحح ذاتها.

وقدّم للشباب معيارًا واضحًا للتمييز: «الخير يمنح الحياة ولا يسلبها أبدًا؛ الخير يعتني ولا يستولي لنفسه». وأضاف أن الخير ليس مجرد مفهوم جميل، بل هو «وجه المحبة المشرق: إنه الله نفسه».

وأوضح أن العدالة والتقوى والإيمان والمحبة والصبر والوداعة ليست مجرد التزامات أخلاقية، بل خيارات شجاعة لقلب حر، وفيها تجد مبادئ المساواة والأخوّة التي تلهم المجتمع الفرنسي أساسها العميق.

أما الفعل الثالث الذي سلّمه القديس بولس للمؤمن فهو «جاهد»، إذ إن الابتعاد عن الشر والسعي إلى الخير يحتاجان إلى جهاد. وأوضح البابا أن المقصود هو «جهاد الإيمان»، لا الصراع ضد الآخرين ولا استخدام العنف أو الاحتقار أو القمع، لأن «سلاحنا الوحيد هو سلاح المحبة التي تبذل ذاتها».

وأشار إلى وجود قوى تسعى إلى قطع علاقة الإنسان بالله وتقسيم الأشخاص والشعوب ووضع بعضهم في مواجهة بعض، لافتًا إلى أن الشر لا يظهر دائمًا في صورة عنيفة، بل قد يأتي أحيانًا بصورة خادعة ويَعِد الإنسان بما يسلبه منه تحديدًا: السعادة.

وأكد أن الروح القدس ينير المؤمن ويعزّيه عندما يحيط به الظلام، داعيًا الشباب إلى اختيار الفضائل التي تساعدهم على اتباع الرب.

وشدّد البابا لاوُن الرابع عشر على أن أحدًا لا يسير منفردًا في مسيرة القداسة، إذ يسير المؤمن متحدًا بإخوته وأخواته، كما أن القديسين يشكلون حلفاء وأصدقاء يساندونه في المحن.

ودعا الشباب إلى طلب شفاعة القديسين والاقتداء بهم عندما تتطلب خيارات الحياة شجاعة، ولا سيما طلب مساعدتهم ليصبحوا صانعي سلام، مستذكرًا القديسة تريزيا الطفل يسوع و«طريقها الصغيرة» للمحبة اليومية بوصفها أساسًا متينًا لكل سلام دائم.

وأوضح البابا أن السلام يتحقق في العهد الذي يقيمه الله مع البشر بيسوع المسيح، مستعيدًا صورة يسوع أمام بيلاطس، «حقيقة المحبة أمام رياء السلطة»، ليؤكد أن «الجهاد الحسن» يتطابق مع «الشهادة الحسنة».

وأشار إلى أن الفداء الذي يتممه يسوع هو العمل الصالح الكامل، وأن المسيح، في جهاده ضد الخطيئة والموت، يحرر الجميع ويدعوهم إلى كل خير.

وفي ختام الأمسية، دعا البابا الشباب إلى التأمل في الذخيرتين الموضوعتين أمامهم: الثوب والصليب، موضحًا أن الأول هو ما انتُزع من المسيح، فيما الثاني هو ما أُعطي له، وكلاهما علامة على آلامه.

وقال إن يسوع جُرّد من ثوبه لكي يكسو البشر «الثوب الأبيض»، فيما تحوّل الصليب من أداة للموت إلى علامة رجاء، ليصبح الثوب والصليب معًا صورة للكنيسة التي تولد من حياة الله المعطاة للعالم.

وختم البابا لاوُن الرابع عشر متوجهًا إلى الشباب: «لكي تنموا في القداسة وتغيّروا مجتمعنا نحو الأفضل، كونوا شهودًا منيرين لهذا الإنجيل، أي للبشرى السارة التي هي المسيح نفسه، مخلّصنا».

المصدر: صوت المحبّة