الأخبار

العالم

البابا في لورد: لا يُرفض أي ضعف... وصلّوا من أجل السلام

البابا في لورد: لا يُرفض أي ضعف... وصلّوا من أجل السلام

ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح الأحد القداس الإلهي في مزار العذراء مريم سيّدة لورد، بمشاركة حشد غفير من الحجاج والمؤمنين والمرضى القادمين من مختلف أنحاء العالم، ودعا في عظته إلى الارتداد والتوبة، مؤكدًا أن مغارة ماسابييل هي «ملاذ للرجاء المسيحي» لا يُرفض فيه أي ضعف بشري، وحاثًا الحجاج على العودة إلى بلدانهم «مرسلين للرجاء».

واستهل الأب الأقدس عظته متوجهًا إلى الحجاج بالقول: «عندما أنظر إليكم هذا الصباح، وأنتم مجتمعون في بيت أمّنا، أرى وجه الكنيسة الجامعة. لقد عبر بعضكم القارات، وتحمّل المشقات، وحمل أفراحه وأثقاله إلى هذه المغارة المقدسة. يا لها من فرحة أن نكون معًا، قلبًا واحدًا وعائلة واحدة!».

وخصّ الحجاج القادمين من مختلف مقاطعات فرنسا وأبرشياتها بتحية خاصة، متمنيًا أن يجدّد حجّهم إلى لورد شعلة الإيمان في بيوتهم ورعاياهم، وداعيًا إياهم إلى حمل تعزية هذا المزار إلى جيرانهم وأحبائهم وإلى الشعب الفرنسي بأسره.

وتوقف البابا عند القراءات الليتورجية لهذا الأحد، معتبرًا أنها تلامس جوهر الرسالة التي جاءت العذراء مريم لتودعها لدى القديسة برناديت: الدعوة إلى الارتداد، وهي دعوة وصفها بأنها حانية وملحّة في آن.

وأشار إلى قول يسوع: «فلم تندموا آخر الأمر»، موضحًا أن ما يجرح قلب المسيح هو أن الله لا يريد هلاك أبنائه.

واستعاد كلمات النبي حزقيال: «إذا ارتدّ البار عن برّه وصنع الإثم ومات فيه، فإنه بإثمه الذي صنعه يموت»، أما إذا تاب عن معاصيه «فيحيا حياة ولا يموت».

وأكد البابا لاوُن الرابع عشر أن الدعوة إلى الارتداد تعبر الكتاب المقدس وكرازة الإنجيل عبر العصور، وتكتسب معنى خلاصيًا يكشف إلحاحها وضرورتها: «اليوم، لا غدًا، علينا أن نتوب؛ اليوم هو الزمن المقبول، يوم الخلاص».

وأضاف أن الله يريد للإنسان أن يحيا، وأن يفتح عينيه ويعود إليه، موضحًا أن الارتداد يعني ترك طرق الضلال واعتناق درب الحياة، وفتح القلب أمام الفرح الوحيد الذي لا يزول.

وتوقف الحبر الأعظم عند كلام المسيح الصريح في الدعوة إلى التوبة: «إن لم تتوبوا تهلكوا بأجمعكم»، موضحًا أن يسوع يوسّع أفق الحياة الأرضية ليشمل الحياة الأبدية.

وقال إن السعادة على الأرض تبقى واقعًا عابرًا ونسبيًا، بل قد لا تكون متاحة لبعض الأشخاص، فيما السعادة الحقيقية موعودة للجميع في الرجاء، وينبغي أن تصبح موضوع البحث الأساسي والجهد والاختيارات.

واستعاد في هذا السياق كلمات العذراء للقديسة برناديت: «لا أعدك بأن تكوني سعيدة في هذا العالم، بل في العالم الآخر».

وأكد البابا أن هذا الوعد، الذي أُعلن في لورد، يتردد بقوة خاصة في فرنسا اليوم، ويهز الذهنيات المعاصرة، ولا سيما في مجتمع يسعى إلى التقدم والرفاه المادي لكنه قد يُجرَّب بنسيان أفق الأبدية.

وقال إن مريم تأتي لتذكّر الإنسان بعظمة دعوته إلى الحياة، وإلى الحياة الأبدية، وبمداها الحقيقي.

وفي مواجهة التيارات التي تسعى إلى إعادة تحديد قيمة الحياة البشرية في المرض أو الألم أو الشيخوخة، شدد الأب الأقدس على أن مغارة ماسابييل تقف «ملاذًا للرجاء المسيحي».

وأضاف مخاطبًا المرضى: «هنا، لا يُرفض أي ضعف. عكازاتكم، وكراسيكم المتحركة، ودموعكم الخفية ليست عوائق، بل هي المكان بامتياز الذي تُحترمون فيه احترامًا كاملًا، وتُستقبلون فيه، ويتجلّى جمالكم بنور محبة الله اللامتناهية».

وأكد أن لورد مكان مبارك لإعلان الإيمان بجمال الحياة وقدسيتها، لأنها تُقبل فيه كعطية ثمينة من الله، مدعوة إلى أن تزهر في الأبدية في محبة الآب.

وتابع البابا أن الحياة الأبدية هي «وعد ثابت وأكيد» من الرب، حصل عليها البشر بموت المسيح على الصليب وقيامته، وتتحقق فيهم كل يوم من خلال نعمة المعمودية.

وأوضح أن هذه العطية في متناول الجميع، لكن ينبغي قبولها بحرية والتمسك بها وعدم وضع العراقيل أمامها، مشيرًا إلى أن العائق الوحيد أمام النعمة والحياة الأبدية هو الخطيئة والانغلاق على الذات ورفض الله.

وشدّد على مسؤولية الإنسان الشخصية، لأن الله أراده حرًا، والحرية شرط للمحبة، إذ «لا يمكن أن نحب بالإكراه».

ودعا إلى استخدام هذه الحرية في قول «نعم» للمسيح، على خطى مريم وبمساعدة النعمة، على أن تتجدد هذه الـ«نعم» حتى النفس الأخير، كما في صلاة «السلام عليك يا مريم»: «الآن وفي ساعة موتنا».

وتوقف البابا لاوُن الرابع عشر عند الكلمات التي قالتها العذراء في لورد: «توبة! توبة! توبة!»، متسائلًا عن سبب تكرارها ثلاث مرات، وما إذا كان الإنسان بطيئًا في الفهم أو سريعًا في اعتبار نفسه بلا خطيئة أو مقصرًا في ممارسة التوبة.

وأوضح أن العذراء تدعو إلى التوبة لا من أجل الذات فقط، بل أيضًا «من أجل الخطأة» ومن أجل عالم يسير بصورة سيئة.

وتساءل: «كيف لا تشعر قلوبنا بأنها معنيّة أمام النزاعات المنتشرة، التي تدمر حياة الكثير من الأبرياء؟».

وأكد أن الشر الذي يصيب العالم ينبع من قلب الإنسان، وليس الله مسؤولًا عنه، مستعيدًا قول الرب لبني إسرائيل: «ليست طريقي هي غير المستقيمة، بل طرقكم أنتم».

ومن هنا، شدّد على أن التغيير ينبغي أن يبدأ من قلوب البشر، «بدءًا من قلوبنا نحن».

ووصف التوبة بأنها عمل تولّده المحبة في التضامن مع الجنس البشري: محبة لله، رغبةً في جبر الجرح الذي تسببه الخطيئة في قلبه، ومحبة للإخوة الذين لا يصغون إلى نداء الارتداد وتقودهم خطاياهم إلى الموت.

وأكد أن الحاجة إلى الارتداد تشمل الكنيسة نفسها في حجها الأرضي، وأن عليها أن تتحلى بالشجاعة لتعيش هذا الارتداد أولًا.

وقال إنه لكي تُشفى الكنيسة من الجراح العميقة ومن حالات عدم الأمانة والضياع المؤلمة التي وقعت في داخلها، ينبغي أن تضع نفسها بتواضع تحت نظرة الرب المطهّرة.

واستعاد في هذا السياق قول القديس أوغسطينوس: «ليؤلمك دائمًا ما أنت عليه، إن كنت تريد أن تنال ما لست عليه»، مؤكدًا أن الاعتراف بالأخطاء ضرورة للنمو الروحي.

وتوجه البابا بصورة خاصة إلى المرضى الموجودين في لورد، مؤكدًا أن نداء مريم إلى الصلاة والارتداد يملأ المؤمنين برجاء عظيم، لأنه يدلهم إلى السبيل القادر على تغيير مجرى الأمور، وهو الاتحاد بآلام المسيح.

وقال للمرضى: «لديكم إمكانية أن تعيشوا آلامكم وأوجاعكم بروح التقدمة، لكي تدخلوا في ذلك المسار الخلاصي الذي يحتاج إليه العالم كثيرًا»، مضيفًا: «بهذا المعنى، أنتم حقًا في قلب الكنيسة، ودوركم لا يمكن الاستغناء عنه».

وفي ختام عظته، خاطب الحجاج قائلًا: «لن تعودوا من لورد كما جئتم إليها: ستعودون كمرسلين للرجاء».

وأوضح أن معجزة لورد تكمن في إيقاظ فرح الرجاء في قلب المحنة والألم، مؤكدًا أن العذراء تشفي نظرات المؤمنين وتغيّر قلوبهم، مانحة إياها السلام.

ودعاهم إلى أن يكونوا، في بلدانهم وأبرشياتهم وعائلاتهم، شهودًا فاعلين لقوة الله وحنانه، وأن يسيروا بثقة نحو المستقبل، مستندين إلى صلاة المرضى ومحبة العذراء.

وقال: «لا تخافوا من عواصف العالم: إن أمّ الله القديسة تسهر على مسيرتكم، وتلفّ الكنيسة برداء حنانها، وكوكب الصبح المشرق، تهدي خطواتكم لكي تولدوا، بفرح، للحياة نفسها التي يحياها ابنها يسوع».


دعوة إلى الوردية من أجل وقف الحروب

وفي ختام الذبيحة الإلهية، وقبل تلاوة صلاة التبشير الملائكي، وجّه البابا لاوُن الرابع عشر نداءً إلى المؤمنين والجماعات المسيحية لتلاوة مسبحة الوردية طوال شهر تشرين الأول المقبل، بنيّة خاصة من أجل توقف الحروب وحلول السلام بين الشعوب المتنازعة.

واستهل كلمته بتحية جميع المشاركين في القداس، وكذلك الذين تابعوه عبر وسائل الإعلام، ولا سيما المرضى، مشيرًا إلى أن صلاة التبشير الملائكي تساعد المؤمنين على أن يعيشوا كل يوم في انسجام مع مشيئة الله على مثال العذراء مريم.

وقال البابا: «هنا ظهرت العذراء مريم للقديسة برناديت حاملة المسبحة، وقادت، إذا جاز التعبير، صلاتها».

وأضاف: «لذلك، فإني اليوم، وكأني أتلقى منها هذا الطلب، أدعو جميع المؤمنين وجميع الجماعات المسيحية إلى تلاوة صلاة مسبحة الوردية خلال شهر تشرين الأول المقبل، بنيّة خاصة هي أن تتوقف الحروب، وأن يحل السلام بين الشعوب المتنازعة».

ودعا إلى مرافقة هذه الصلاة بأعمال ملموسة من التوبة والرحمة، وبالتزام دائم بتعزيز الحوار والمصالحة.

وختم البابا لاوُن الرابع عشر نداءه قائلًا: «لتشفع من أجلنا أمّنا مريم العذراء الكليّة القداسة».

المصدر: صوت المحبّة