الأخبار

العالم

البابا في متز: استخدام اسم الله لتبرير العنف تدنيس

البابا في متز: استخدام اسم الله لتبرير العنف تدنيس

في مستهل اليوم الأخير من زيارته الرسولية إلى فرنسا، ترأس البابا لاوُن الرابع عشر في مركز «روبير شومان» للمؤتمرات في متز لقاءً بين الأديان، وجّه خلاله نداءً إلى بناء الوحدة والسلام وتعزيز ثقافة اللقاء، مؤكّدًا أن «استدعاء اسم الله لتبرير العنف أو القمع هو تدنيس لهذا الاسم»، وأن عظمة الحضارات لا تُقاس بإنجازاتها المادية، بل بالطريقة التي تحيط بها الإنسان وتحميه وترتقي به.

واختار البابا أن يطلق رسالته من متز، المدينة الواقعة في منطقة عرفت على امتداد تاريخها نزاعات وضمًّا وانقسامات تركت أثرها في أوروبا المعاصرة، فدعا إلى النظر إلى الحدود باعتبارها أرضًا للحوار لا حواجز تفصل الشعوب والثقافات.

ووصل الحبر الأعظم إلى مركز المؤتمرات، الذي يحمل اسم روبير شومان، أحد الآباء المؤسسين لأوروبا، برفقة رئيس مجلس أساقفة فرنسا الكاردينال جان مارك أفيلين ونائبه المطران بونوا برتران، وبحضور ممثلين عن مختلف الديانات في فرنسا.

وشارك في اللقاء الحاخام الأكبر لفرنسا حاييم كورسيا، وشمس الدين حفيظ عن مسجد باريس الكبير، وكريستيان كريغر عن الاتحاد البروتستانتي في فرنسا، وأنتوني بوسيمار عن الاتحاد البوذي، إلى جانب ممثلين عن مجلس الأساقفة الأرثوذكس والاتحاد البروتستانتي ونواب رؤساء هذه الهيئات.

وفي كلمته، توقف البابا عند شخصية المكرم روبير شومان، واصفًا إياه بصاحب «مكانة أخلاقية ومدنية كبيرة»، وداعيًا إلى استلهام مثاله في مواجهة الاستقطابات والانقسامات التي تطبع العصر الراهن.

وقال إن شومان «عرف كيف يحوّل خطوط الانقسام القديمة إلى جسور رجاء لأوروبا بأسرها، فأصبح سفيرًا حقيقيًا للوحدة في التنوع».

وأضاف: «على مثاله، تقع على عاتقنا، نحن النساء والرجال المؤمنين، مسؤولية مشتركة في الشهادة بأنه، رغم الحدود، يبقى اللقاء ممكنًا دائمًا، كما تبقى الصداقة وبناء السلام ممكنين».

وجاءت كلمة البابا بعد تقديم موسيقي حيّ في قاعة اللقاء، مهد لنداء رسمي أُطلق بعد أربعين عامًا على نداء أسيزي التاريخي من أجل السلام، في تأكيد للمسؤولية المشتركة في بناء الأخوّة والمصالحة والسلام.

وشدد البابا لاوُن الرابع عشر على أن الحوار لا يعني تمييع الهوية أو الوقوع في التوفيقية الدينية، مستعيدًا تعليم البابا فرنسيس في «Fratelli tutti» ورسالة البابا يوحنا بولس الثاني لليوم العالمي للسلام عام 2001.

وقال: «الحوار لا ينتقص من هويتنا، بل يعبّر عنها ببساطة وصدق، من خلال الانفتاح على اختلاف الآخر».

وأضاف: «إن استدعاء اسم الله لتبرير العنف أو القمع هو تدنيس لهذا الاسم. ولا يمكن لأي شيء يشوّه كرامة الإنسان أن يدّعي أنه يستلهم حقًا من الله».

وأكد أن الخطاب الديني مدعو باستمرار إلى «نزع السلاح من القلوب والكلمات»، مشيرًا إلى أن هذه المسؤولية تقع مباشرة على عاتق كل مؤمن بصفته أمينًا على تقليده الديني.

واستند البابا أيضًا إلى فكر الفيلسوف الفرنسي البروتستانتي بول ريكور، مشددًا على أن الحوار الحقيقي هو الطريق الذي يتيح النظر إلى الآخر باعتباره «وعدًا لا تهديدًا».

وقال إن الحوار «فن للقاء يحتاج إليه عالمنا بشدة»، وهو يقف على النقيض من العدوانية والعنف.

وتوقف الحبر الأعظم عند البحث الصادق عن الحقيقة والخير والجمال، مشيرًا إلى أن السير في هذا الاتجاه يجعل الدروب تلتقي، ويساعد البشر على فهم بعضهم بعضًا والتحول معًا إلى «صانعي سلام وشهود رجاء».

ورأى أن الأجيال الشابة تحتاج إلى «مرجعيات ثابتة» لا إلى الاستغلال، وأن الانفتاح على البعد المتسامي قادر على توفيرها شرط أن يبقى في خدمة الأخوّة.

وأكد البابا أن «عظمة حضارة لا تُقاس بنجاحاتها المادية، بل بالطريقة التي تحيط بها الشخص البشري وتحميه وترتقي به».

وأضاف أن الأديان «حارسة للحياة»، لأنها تؤكد قيمتها المقدسة، وتظهر خصوبتها من خلال الحضور المحب إلى جانب الأشخاص الأكثر ضعفًا وهشاشة.

وقال: «خدمة الحياة تعني إحاطتها بالرعاية والحضور والحنان، ولا سيما في أوقات المحنة، حتى النهاية».

وخلال اللقاء، تُلي أمام البابا نداء مشترك لمسؤولي الديانات في فرنسا، تضمّن ثلاثة التزامات أساسية: مواصلة الحوار، وتنشئة الأجيال الجديدة على المعرفة المتبادلة بين التقاليد الدينية، وتعزيز الوحدة، حتى وسط الشدائد، من أجل العدالة والسلام.

وصدر النداء عن هيئة مسؤولي الديانات في فرنسا، التي تأسست عام 2010 وتجمع ممثلين عن البوذية والكنائس المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية، والإسلام واليهودية.

ووصف النداء هذه الالتزامات الثلاثة بأنها «بوصلة رجاء»، على الرغم من اختلاف المعتقدات، انطلاقًا من خدمة مشتركة للسلام في العالم واحترام كرامة كل إنسان.

وأعرب المسؤولون الدينيون عن قلقهم العميق حيال التحولات التي يشهدها العالم، بعد أربعين عامًا على نداء أسيزي للسلام، مشيرين إلى أن البشرية تقف أمام منعطف جديد، فيما يهدد تصاعد الصراعات القانون الدولي، ولا سيما القانون الإنساني.

ولفت النص إلى أن الحروب وأعمال العنف تتزايد، وتتعمق أوجه عدم المساواة، وتضعف التوازنات، ولا سيما البيئية منها، فيما تُحدث التحولات التكنولوجية تبدلات عميقة في المجتمعات والقيم الأساسية وأنماط الحياة.

ومن هنا، أكد ممثلو الديانات مسؤولية التقاليد الدينية المختلفة في «العمل معًا في خدمة السلام والأخوّة والمصالحة».

ومن أرض اللورين، التي «جرحتها حروب كثيرة»، جدد المسؤولون التزامهم ببناء السلام والحفاظ عليه في العالم، ولا سيما في أوروبا، مطلقين «نداءً رسميًا إلى الحوار والأخوّة والمصالحة والسلام».

وأكدوا أن التربية على الحوار أصبحت أكثر ضرورة من أي وقت مضى لبناء السلام داخل الجماعات الدينية والمدن والمجتمعات، ولا سيما في ظل ظهور بؤر جديدة للعنف والحروب في العالم.

وشدد النداء على أن السلام لا يعني مجرد غياب النزاعات، بل ينبع من العدالة واحترام الكرامة الإنسانية والتضامن بين الشعوب والأجيال، ومن مسؤولية مشتركة في حماية البيت المشترك.

كما عبّر المسؤولون الدينيون عن استنكارهم لأعمال العنف التي تستهدف أشخاصًا أو دور عبادة بسبب الأصل أو العقيدة، وأدانوا التمييز وخطاب الكراهية.

وقالوا: «نحن نعارض بصورة خاصة سمّ الشمولية، الذي عانت منه أرض اللورين كثيرًا».

وأكد النداء أن اسم الله لا يمكن استخدامه لتبرير العنف، وأن الحوار والصلاة والتأمل ومختلف أشكال الممارسة الروحية هي التي تفتح دروب السلام.

وأضاف أن السلام يُبنى أيضًا في داخل كل إنسان، من خلال القدرة على التعرف إلى ما يغذي رفض الآخر والخوف والكراهية، والعمل على نزع سلاحه في الذات.

ودعا ممثلو الديانات إلى تعزيز ثقافة الاستقبال والأخوّة، تقوم على الإصغاء المتبادل وخدمة الخير العام والحوار المستمر والممارسات الروحية.

وأكدوا التزامهم «العمل بصورة ملموسة في خدمة العدالة والسلام»، مشددين على ضرورة فتح مسارات للمصالحة، رغم جراح التاريخ، ورفض منطق الانتقام والنبذ والإذلال.

وأشاروا إلى أن الأديان تشكل «طريقًا مميزًا» نحو «السلام الأعزل والنازع للسلاح» الذي يدعو إليه البابا لاوُن الرابع عشر.

وأكد النداء أن بناء ثقافة السلام يحتاج إلى مساهمة العائلات والمدارس والمؤسسات الترفيهية والرياضية وكل جماعة، وأن هذا العمل ينسجم بالكامل مع المبادئ الدستورية التي تضمن حرية الضمير وحرية ممارسة الشعائر الدينية.

وختم المسؤولون الدينيون نداءهم بالتأكيد أن السلام «ليس حلمًا مستحيلًا»، بل يُبنى يوميًا عبر احترام الآخر وثقافته ودينه، ومن خلال إقامة علاقات صداقة يُعترف فيها بكل شخص في هويته.

وأعربوا عن أملهم في أن يسهم لقاء متز في إيقاظ الضمائر وإعطاء ثمار دائمة في خدمة السلام والأخوّة والمصالحة.

المصدر: صوت المحبّة