الأخبار
البابا: الكنيسة بحاجة إلى كهنة يتشكلون على مثال المسيح
وجّه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، اليوم الاثنين 9 شباط، رسالة إلى كهنة أبرشية مدريد المجتمعين في جمعية لكهنة الأبرشية، تناول فيها واقع الكاهن في عالم اليوم وما يطرحه من تحديات ومسؤوليات.
واستهلّ البابا رسالته بتوجيه الشكر إلى رئيس الأساقفة والكهنة جميعًا على استعدادهم للتلاقي، لا لمناقشة القضايا المشتركة فحسب، بل أيضًا لتبادل الدعم وتقاسم الرسالة. كما ثمّن التزامهم في ممارسة كهنوتهم ضمن الرعايا والخدمات والهيئات المختلفة، لافتًا إلى أن هذه الخدمة تتمّ كثيرًا في أوضاع مركّبة وبالتزام صامت، الله وحده شاهد عليه. وأعرب عن رجائه بأن يعزّز هذا اللقاء أجواء “إصغاء صادق وشركة حقيقية وانفتاح واثق” على عمل الروح القدس.
وأشار البابا إلى أن الزمن الذي تعيشه الكنيسة يدعو إلى تأمّل هادئ وأمين، لا بهدف التحليل السريع أو معالجة المستعجل، بل لتعلّم قراءة اللحظة الراهنة بعمق، والتعرّف، في نور الإيمان، إلى التحديات والفرص التي يفتحها الرب. واعتبر أن تربية النظرة وممارسة التمييز باتتا أكثر ضرورة لالتقاط أفعال الله التي غالبًا ما تعمل في صمت وهدوء.
وتوقف البابا عند السياقات الاجتماعية والثقافية التي يُعبَّر فيها عن الإيمان، متحدثًا عن مظاهر علمنة واستقطاب في الخطاب العام، وعن ميلٍ إلى اختزال الإنسان ضمن أيديولوجيات أو تصنيفات جزئية. وفي هذا المناخ، رأى أن الإيمان يواجه خطر الاستغلال أو التهميش، في ظل تصاعد أنماط عيش تبتعد عن أي مرجعية للمتعالي، إضافة إلى فقدان المرجعيات المشتركة التي كانت تاريخيًا تسهّل نقل الرسالة المسيحية. وأوضح أن مفاهيم كثيرة لم تعد واضحة أو مفهومة كما في السابق، وأن الإنجيل لا يُقابَل باللامبالاة فقط، بل أيضًا بأفق ثقافي لم تعد الكلمات فيه تعني الشيء نفسه.
في المقابل، شدد البابا على أن هذا الواقع لا يلغي وجود أشخاص كثيرين، ولا سيما من الشباب، يحملون قلقًا جديدًا وبحثًا أكثر نزاهة وصدقًا. وأكد أن تعظيم الرفاهية لم يقد إلى السعادة المنشودة، وأن حرية لا ترتبط بالحقيقة لم تُنتج التعددية الموعودة، كما أن التطور المادي لم يملأ عطش القلب البشري. واعتبر أن ذلك يفتح بابًا أمام مسيرة بحث صبورة ومحترمة تقود مجددًا إلى لقاء المسيح، مذكرًا بأن الكاهن ليس مدعوًا إلى العزلة أو اليأس، بل إلى الحضور الأمين والاستعداد السخي، انطلاقًا من الإقرار بأن المبادرة دائمًا من الرب الذي يسبقنا بنعمته.
وتناول البابا في رسالته صورة الكاهن الذي تحتاجه مدريد والكنيسة اليوم: كاهن يتشكل على مثال المسيح وقادر على الخدمة من علاقة حيّة به، تتغذى من الإفخارستيا وتتجلى في محبة رعوية تقوم على الهبة الصادقة للذات. وأوضح أن المطلوب ليس ابتكار نماذج جديدة أو إعادة تعريف الهوية، بل العودة إلى جوهر الكهنوت بزخم أكبر، بحيث يكون المسيح هو من يوحّد القلوب ويعطي شكلًا لخدمة حيّة نابعة من علاقة حميمة بالله وإيمان ملتزم وخدمة ملموسة للناس.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر رسالته إلى كهنة أبرشية مدريد بمنحهم البركة الرسولية، شاملًا بها أيضًا جميع الموكَلين إلى عنايتهم الرعوية.