الأخبار

المحليّات

المطران إسكندر: الإيمان ليس هتافًا عابرًا بل ثبات في درب الصليب

المطران إسكندر: الإيمان ليس هتافًا عابرًا بل ثبات في درب الصليب

أقيم قداس الشعانين في كاتدرائية القديس توما الرسول ترأسه المتروبوليت جورج إسكندر عاونه الاب ماريو خير الله بحضور حشد من ابناء المنطقة.

وألقى اسكندر عظة قال فيها: "اليوم، نحمل السعف. اليوم، نهتف. اليوم، نفرح. لكنّ الكنيسة تعرف، ونحن نعرف، أنّ هذا الفرح ليس نهاية الطريق، بل بدايته. نحن في أحد الشعانين. نحن على باب الأسبوع العظيم. نحن أمام مشهدٍ مهيب: الجموع تهتف، والأغصان تُرفَع، والربّ يدخل أورشليم. لكنّه يدخل لا كملوك الأرض، بل كملكٍ من نوعٍ آخر. يدخل متواضعًا. هادئًا. وديعًا. راكبًا على جحش ابن أتان. وهنا تبدأ الرسالة. لأنّ يسوع لا يدخل ليُبهِر الناس. ولا يدخل ليستعرض القوّة. ولا يدخل ليُرعب أحدًا. إنّه يدخل ليقول لنا إنّ الله لا يخلِّص بالعنف، بل بالمحبّة. لا يخلِّص بالضجيج، بل بالبذل. لا يربح الإنسان من الخارج، بل يلمس قلبه من الداخل. ولهذا، فالشعانين ليس عيدَ مظهرٍ. ليس مجرّد زينةٍ دينيّة. ليس سعفًا في اليد فقط. الشعانين هو سؤالٌ كبير: كيف نستقبل يسوع؟ وكيف نريده أن يكون في حياتنا؟ كثيرون في ذلك اليوم استقبلوه. هتفوا له. فرحوا به. لكنّ القليلين فقط فهموه. هم أرادوا ملكًا قويًّا على طريقتهم. وهو أتى مخلّصًا وديعًا على طريقة الله. هم أرادوا مجدًا سريعًا. وهو كان داخلًا إلى طريق الصليب. هم رأوا موكبًا. أمّا هو، فكان يرى الذبيحة. هم رفعوا أصواتهم. أمّا هو، فكان يحمل في قلبه ساعة البذل الكامل".

أضاف: "الرسالة اليوم من القدّيس بولس تبدأ بكلمةٍ قد تبدو غريبة: "إفرحوا في الربّ كلّ حين، وأقول أيضًا: إفرحوا." كيف نفرح ونحن نقترب من الآلام؟ كيف نفرح ونحن نعرف أنّ هذا الطريق سيمرّ بالخيانة والدمع والصليب؟ الجواب بسيط وعميق معًا: نحن لا نفرح لأنّ الطريق سهل. نحن نفرح لأنّ الربّ قريب. وهذا ما يقوله الرسول بولس: الربّ قريب. هذه هي قوّة المؤمن. ليس لأنّه لا يتألّم. بل لأنّه لا يتألّم وحده. ليس لأنّه لا يعرف الضيق. بل لأنّه يعرف أنّ الربّ يسير معه في الضيق. ليس لأنّ الحياة بلا صليب. بل لأنّ المسيح دخل الصليب قبلنا، وحوّله من علامة موتٍ إلى باب رجاء. ثمّ يأتي الإنجيل ليعطينا مشهدًا آخر قبل الدخول إلى أورشليم: بيت عنيا. مريم. الطيب. وقدما يسوع. مريم لم تُلقِ خطابًا. لم تشرح. لم تدافع عن نفسها. فعلت شيئًا واحدًا: أحبّت. أخذت طيبًا كثير الثمن. دهنت قدمي الربّ. ومسحتهما بشعرها. فعبق البيت كلّه بالرائحة. ما أجمل هذا المشهد. وما أعمقه. لأنّ الحبّ الحقيقيّ دائمًا يترك أثرًا. والقلب الذي يحبّ الربّ بصدق، يملأ المكان كلّه بشيءٍ من حضوره. وفي المقابل، خرج صوت يهوذا. صوت الحساب. صوت الظاهر. صوت المصلحة المختبئة وراء الكلام الجميل. قال: لماذا هذا الإسراف؟ لكنّ الإنجيل كشف الحقيقة. ليست كلّ كلمةٍ جميلة نقيّة. وليست كلّ حجّةٍ منطقية  صادقة. فهناك قلوبٌ تعرف كيف تعطي. وقلوبٌ تعرف فقط كيف تُمسك. هناك نفوسٌ تعرف السجود. ونفوسٌ لا ترى في كلّ شيءٍ إلّا ثمنه. وهنا، أيّها الأحبّاء، يقف كلّ واحدٍ منّا أمام نفسه: هل أنا مثل مريم؟ أم مثل يهوذا؟ هل أعطي الربّ من قلبي؟ أم أكتفي بالكلام عنه؟ هل أحبّه فعلًا؟ أم أبحث فقط عمّا يناسبني؟ الشعانين يفضح الإيمان السطحيّ. لأنّ من السهل أن نهتف مع الجموع. لكن من الصعب أن نبقى مع يسوع حين تبدأ الآلام. من السهل أن نرفع السعف. لكن من الصعب أن نحمل الصليب. من السهل أن نقول: هوشعنا. لكن من الصعب أن نبقى أمناء عندما تتبدّل المشاهد وتتغيّر الأصوات. ولهذا تقول لنا الكنيسة اليوم: لا تجعلوا إيمانكم موسميًّا. لا تجعلوه مجرّد تأثّرٍ عابر. اجعلوه ثباتًا. اجعلوه تبعيّةً صادقة. اجعلوه مسيرةً مع المسيح، لا في ساعة المجد فقط، بل أيضًا في ساعة الألم. ويكمل بولس الرسول: "لا تهتمّوا بشيء، بل في كلّ شيء فلتكن طلباتكم معلومةً لدى الله بالصلاة والتضرّع مع الشكر".

المصدر: الوكالة الوطنية للإعلام