الأخبار

المحليّات

البطريرك الراعي من كنيسة مار مارون في جزين: السلام وحده يحفظ الإنسان والوطن

البطريرك الراعي من كنيسة مار مارون في جزين: السلام وحده يحفظ الإنسان والوطن

احتفل غبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بالقداس الإلهي في كنيسة مار مارون – جزين، وسط استقبال شعبي ورسمي وسياسي وأمني، مؤكداً في عظته أن كلمة المسيح: "أنا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم" ليست مجرد كلمات وداع، بل عهد حضور دائم وحي، حضور محبة وسلام يرافق الكنيسة والإنسان في كل زمان ومكان.

وأشار البطريرك الراعي إلى أن هذا الوعد الإلهي يشكل أساس الرجاء المسيحي، لأنه يعني أن الإنسان ليس متروكاً في ضعفه ولا وحيداً في آلامه، بل إن المسيح يسير معه ويثبّته في رسالته. ومن هنا دعا إلى التمسك بنعمة الشهادة للحق والمحبة والسلام، وعدم التخلي عنها مهما اشتدت الصعوبات.

وتوقف عند مشهد عودة النازحين إلى قراهم، موضحاً أن التأخير في الوصول إلى جزين سببه هذا المشهد المؤثر، حيث شاهد الناس يعودون إلى بيوتهم المهدمة حاملين فرشهم على أكتافهم. وقال إن هذا المنظر يدمي القلب، لأنه يكشف إنساناً يُجبر على العودة إلى الخراب، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب الرجاء، لأنه يعبّر عن تعلق الإنسان بأرضه وإيمانه بأن الحياة أقوى من الدمار.

وشدد على أن كل شبر من لبنان هو مساحة حياة وانتماء، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بعيداً عن أرضه، لأنها جزء من هويته ووجوده، مؤكداً أن السلام ليس خياراً ثانوياً، بل ضرورة وجودية، لأن الإنسان من دونه لا يستطيع أن يعيش بكرامة.

وتساءل البطريرك الراعي بمرارة: "لماذا الحرب؟ هل ربحت أي حرب شيئاً؟"، مؤكداً أن كل حرب هي خسارة، وأن الرابح فيها هو في الحقيقة خاسر، لأنها تدمر الإنسان قبل الحجر وتزرع العداوة بدل المحبة. وقال إن الحرب لا تصنع مستقبلاً، بل تهدم الحاضر وتسرق الغد، داعياً إلى رفض منطق العنف والتمسك بمنطق الحوار.

وأضاف أن اللبنانيين تعبوا من الحروب، من القتل والدمار، ومن رؤية شبابهم يهاجرون ويضيع تعب العمر سدى، لأن قنبلة واحدة قادرة على تدمير ما بُني في سنوات طويلة. واعتبر أن الحرب ليست مرجلة، بل إن المرجلة الحقيقية تكمن في امتلاك العقل والحكمة والقدرة على الحوار والتفاهم.

وأوضح أن الله نفسه لم يتعامل مع الإنسان بالعنف، بل بالحوار، إذ "كلّمنا منذ القديم بأنواع وطرق شتى"، وبلغ هذا الحوار كماله في يسوع المسيح، الذي جاء ليعلن المحبة لا العنف، والغفران لا الانتقام. ومن هنا شدد على أنه "عيب علينا ألا نتفاوض"، لأن الكرامة الحقيقية هي في الجلوس إلى طاولة الحوار "من الند إلى الند"، والبحث عن حلول تحفظ كرامة الجميع.

وأشار إلى أن هذه هي أيضاً إرادة المسيح الذي قال: "كما أرسلني أبي أنا أرسلكم… اذهبوا وتلمذوا"، أي إن الرسالة المسيحية هي رسالة سلام ولقاء وبناء، لا رسالة صراع وانقسام، مؤكداً أن المسيح، عندما قال "أنا معكم"، أراد أن يرافق هذه الرسالة ويمنحها القوة لتستمر.

وأكد البطريرك الراعي أن لبنان هو بلد الشهادة والرسالة، وأن ما يميّزه هو هذا التنوع الذي يشكل غنى لا ضعفاً، مشيراً إلى أن اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم، يؤلفون معاً لوحة فسيفساء جميلة، وهذا ما عبّر عنه البابا يوحنا بولس الثاني عندما وصف لبنان بأنه "أكثر من وطن، إنه رسالة".

وشدد على أن اللبناني لا يغلق بابه في وجه أخيه، بل يفتح قلبه وبيته، كما حصل مع النازحين الذين استُقبلوا في القرى والبلدات، معتبراً أن هذه الروح هي التي تحفظ لبنان وتعطيه معناه الحقيقي.

وأضاف أن كل من يزور لبنان، من سفراء وأجانب، يشهد بجماله، ليس فقط بطبيعته، بل بشعبه وثقافته وديمقراطيته وتعدديته، مؤكداً أن هذا الجمال يجب أن يُصان بالتمسك بالسلام.

ودعا البطريرك الراعي إلى الصلاة كي تستمر الهدنة وتتحول إلى سلام دائم، مؤكداً أن السلام هو عظمة الإنسان، فيما الحرب هي ضعفه، وأن البطل الحقيقي ليس من يخوض الحروب، بل من يبني السلام ويجمع الناس بدل أن يفرقهم.

وختم عظته برفع الصلاة إلى الله، طالباً أن يفيض بنعمته على لبنان، وقال: "نعدك يا رب أن نحمل محبتك وسلامك إلى بيوتنا ووطننا، وأن نستمد منك النور لننقله إلى العالم"، داعياً الجميع إلى أن يكونوا شهوداً لهذا السلام في حياتهم اليومية، ليبقى لبنان أرض رسالة ومحبة وسلام.

المصدر: صوت المحبّة