الأخبار

العالم

البابا لاوُن من مدريد: الحوار والمصالحة طريق إسبانيا إلى المستقبل

البابا لاوُن من مدريد: الحوار والمصالحة طريق إسبانيا إلى المستقبل

استهلّ قداسة البابا لاوُن الرابع عشر زيارته الرسولية إلى إسبانيا بلقاء السلطات الرسمية وممثلي المجتمع المدني وأعضاء السلك الدبلوماسي، موجّهًا دعوة إلى تعزيز ثقافة اللقاء والحوار والمصالحة، ومؤكدًا أن السلام والكرامة الإنسانية يشكّلان الأساس لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.

وفي كلمته الأولى على الأراضي الإسبانية، بعد لقائه الخاص بالعائلة المالكة، أعرب الحبر الأعظم عن امتنانه للدعوة التي وُجّهت إليه لزيارة إسبانيا، مشيرًا إلى أنّ هذه الزيارة ستكشف جوانب متعددة من غنى بلد احتضن البشارة الإنجيلية منذ ما يقارب ألفي عام.

وتوقف البابا عند الجذور المسيحية العميقة لإسبانيا، لافتًا إلى الارتباط التقليدي بين بشارة شبه الجزيرة الإيبيرية ورسالة القديس يعقوب الكبير، ومؤكدًا أن الإيمان المسيحي أسهم على مدى القرون في صياغة الثقافة الإسبانية وإغناء هويتها، من خلال التقوى الشعبية والتراث الفني والموسيقي والجمعيات الخيرية التي تعكس اللقاء المثمر بين الإنجيل والشعب الإسباني.

وأكد البابا أنه جاء إلى إسبانيا ليعضد المؤمنين في أمانتهم للإنجيل، ويشجع على تعميق التعاون والمصالحة بين مختلف مكونات المجتمع، معتبرًا أن تاريخ البلاد يثبت أن ثقافة اللقاء، لا ثقافة المواجهة، هي التي تصنع الاستقرار والازدهار.

وشدد على أن رسالة السلام، رغم ما قد تواجهه من تشكيك في عالم يرزح تحت وطأة الحروب والانقسامات، تبقى الطريق الوحيدة القادرة على فتح آفاق الرجاء، داعيًا إلى تجاوز الأيديولوجيات والانفتاح على الحقيقة التي تقود إلى المصالحة والحوار.

واستحضر البابا في هذا السياق إرث القديسين يوحنا الصليب وتيريزا الأفيليّة، معتبرًا أن خبرتهما الروحية تقدّم اليوم إضاءة ثمينة لفهم التحولات والأزمات التي يعيشها العالم المعاصر. وأشار إلى أن الإنسان مدعو، حتى وسط ظلمات القلق والخوف، إلى البحث عن النور الذي يقود إلى الحقيقة والرجاء.

كما دعا إلى صون الحرية الدينية وحرية الضمير، مؤكدًا أن الكرامة الإنسانية لا تزال تتعرض لانتهاكات خطيرة، وأن المجتمعات تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الثقافة والتربية والبعد الروحي والانفتاح على القيم المتعالية.

وحذّر البابا من تنامي الخطابات الاستقطابية التي تؤجج الانقسامات وتغذي الكراهية، داعيًا إلى التخلي عن السرديات الإقصائية والانتقال إلى قراءة أكثر عمقًا وتعقيدًا للواقع والتاريخ، بما يفسح المجال أمام بناء جسور التفاهم والتعاون.

وتناول الحبر الأعظم التحديات التي تفرضها التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، مشددًا على ضرورة توجيه التطور التكنولوجي لخدمة الإنسان والعدالة والسلام، وعدم السماح له بتعزيز الانقسامات أو إضعاف التفكير النقدي والقيم الإنسانية.

كما دعا المسؤولين السياسيين والاقتصاديين والمؤسساتيين إلى الاستثمار في التربية والجامعات والبحث العلمي والمجتمعات المحلية، معتبرًا أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالأسلحة والجدران، بل بالنمو المشترك والتعاون بين الشعوب.

وفي هذا الإطار، استذكر البابا فترات من التاريخ الإسباني شهدت تفاعلاً حضاريًا وثقافيًا بين المسيحيين والمسلمين واليهود، معتبرًا أن الحوار والتبادل الفكري والثقافي شكّلا مصدر غنى للمجتمع وأسهمَا في بناء حضارة إنسانية مشتركة.

وفي ختام كلمته، شكر البابا لاوُن الرابع عشر إسبانيا على التزامها بالقانون الدولي والعمل المتعدد الأطراف في خدمة السلام والتضامن بين الشعوب، مشجعًا أبناءها على تعزيز الحوار الداخلي والصداقة الاجتماعية، وإشراك الفقراء والشباب في رسم ملامح المستقبل، والمساهمة في مسيرة الوحدة الأوروبية كخدمة للخير العام والأسرة البشرية جمعاء.

وختم الحبر الأعظم متضرعًا إلى الله أن يبارك إسبانيا وشعبها، وأن يقودها في مسيرتها نحو مزيد من الوحدة والسلام والازدهار.

المصدر: صوت المحبّة