الأخبار
البابا أمام البرلمان الإسباني: الحياة مقدّسة والسلام لا يُبنى بالسلاح
في سابقة تاريخية، توجّه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر بكلمة إلى أعضاء البرلمان الإسباني في مقر مجلس النواب بمدريد، ليصبح أول حبر أعظم يخاطب هذه المؤسسة التشريعية. ودعا قداسته إلى بناء مجتمع عادل يرتكز على كرامة الإنسان، وحماية الحياة البشرية، وصون الحرية الدينية، وتعزيز السلام، محذرًا من ثقافة الإقصاء ومن سباق التسلح المتجدد في العالم.
وأكد البابا أن أي مجتمع ديمقراطي حقيقي يجب أن يقوم على الاعتراف بالكرامة غير القابلة للمساس لكل إنسان، مشددًا على أن هذه الكرامة تسبق أي اعتراف أو منح من الدولة، ولا يجوز إخضاعها لتقلبات الرأي العام أو لاعتبارات الأكثرية المتغيرة.
وفي هذا السياق، حذّر من تنامي ما وصفه بـ«ثقافة الإقصاء»، متسائلًا عن مستقبل المجتمعات التي لم تعد تعتبر الحياة قيمة أساسية، وتُهمّش الطفل غير المولود، والمسنين، والمرضى، والمتألمين، والأشخاص الذين يعتمدون على رعاية الآخرين.
وشدد البابا على أن الدفاع عن الحياة البشرية ليس قضية خاصة أو دينية فحسب، بل هو هدف حضاري وإنساني، مؤكدًا ضرورة الاعتراف بكل حياة بشرية وحمايتها منذ لحظة الحبل بها وحتى موتها الطبيعي، وفي مختلف مراحلها وظروفها.
وأضاف أن عظمة الأمم تُقاس بقدرتها على حماية الأشخاص الأكثر هشاشة ومرافقتهم والاعتناء بهم، مشيرًا إلى أن الخير العام يفقد معناه عندما يتحول العمل العام إلى خدمة مصالح فئوية ضيقة على حساب المصلحة المشتركة.
وتوقف الحبر الأعظم عند أهمية العائلة، واصفًا إياها بالواقع الإنساني الأول والأساس الطبيعي للمجتمع. وأكد أن دعم العائلة ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والروحي للأمم، لأنها تبقى المدرسة الأولى للإنسانية، حيث يتعلم الإنسان قيم العيش المشترك، واستقبال الحياة، وخدمة الآخرين، والمغفرة، والانتماء.
كما شدد على الدور المحوري للمؤسسات التربوية في تنشئة الأجيال الجديدة على البحث عن الحقيقة واحترام كرامة الإنسان واكتشاف معنى الحياة.
وفي حديثه عن الهجرة، وصف البابا الظاهرة بأنها إحدى أبرز المآسي الإنسانية المعاصرة، مشيرًا إلى أن ملايين الأشخاص يُجبرون على ترك أوطانهم بحثًا عن الأمن والسلام ومستقبل أفضل.
وأكد أن أوضاع المهاجرين واللاجئين تتطلب مقاربة تضع الإنسان في صلب الاهتمام، وتعالج الأسباب التي تدفعه إلى الهجرة، بدل الاكتفاء بإدارة تدفقات المهاجرين. ودعا إلى توفير مسارات قانونية وآمنة للهجرة، واستقبال كريم وفرص حقيقية للاندماج، مع العمل في الوقت نفسه على ضمان حق الإنسان في البقاء في وطنه وعدم اضطراره إلى مغادرته بسبب الحروب أو الفقر أو انعدام الاستقرار أو تداعيات التغير المناخي.
وأشار البابا إلى أن تفاقم طرق الهجرة الخطرة خلال السنوات الأخيرة كشف حجم المعاناة التي يتعرض لها المهاجرون، والوقوع ضحايا لشبكات الاتجار بالبشر والاستغلال.
وفي الشأن الدولي، تحدث البابا عن الأزمة الروحية والثقافية العميقة التي يشهدها العالم، والتي تتجلى في تصاعد العنف والاستقطاب وفقدان الثقة بين الشعوب والمجتمعات.
وأكد أن السلام ليس مجرد هدف سياسي، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية، تتطلب خطابًا عامًا قائمًا على الاحترام المتبادل، ومؤسسات تخدم اللقاء والحوار، وذاكرة تاريخية تسعى إلى الحقيقة والمصالحة.
وشدد على أن السلام على المستوى الدولي يحتاج إلى شجاعة دبلوماسية ومسؤولية أخلاقية ورؤية مستقبلية قائمة على احترام هوية الشعوب والاحتكام إلى القانون الدولي لحل النزاعات.
وقال البابا إن كل حرب تمثل في نهاية المطاف فشلًا مؤلمًا للقدرة على الحوار والتفاوض، مؤكدًا أن الأسلحة قد تفرض صمتًا مؤقتًا لكنها لا تستطيع أن تبني سلامًا حقيقيًا ودائمًا.
وأعرب عن قلقه من عودة سباقات التسلح في عدد من مناطق العالم، بما فيها أوروبا، حيث بات التسلح يُقدَّم أحيانًا كخيار لا مفر منه في مواجهة الأزمات الدولية، مؤكدًا أن الأمن الحقيقي يولد من العدالة والحوار واحترام القانون الدولي، لا من تراكم الأسلحة.
كما حذّر من المخاطر الأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية، داعيًا إلى عدم السماح للأنظمة المؤتمتة باتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت بعيدًا عن المسؤولية الأخلاقية للإنسان.
وفي جانب آخر من كلمته، شدد البابا على أهمية حرية الفكر والضمير والدين، واصفًا إياها بأنها من الركائز الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي حقيقي.
وأكد أن الدولة الحديثة، إذا أرادت أن تكون وفية لمفهوم الحرية، يجب أن تعترف بالبعد الديني للإنسان وتحترمه وتحميه قانونيًا، وألا تفرض على المؤمنين التخلي عن مساهمتهم في الحياة العامة بسبب إيمانهم.
وأوضح أن الحرية الحقيقية لا تعني مجرد غياب القيود أو تعدد الخيارات، بل القدرة على معرفة الخير والالتزام به بمسؤولية.
وفي هذا الإطار، دافع البابا عن حرية الكنيسة في ممارسة رسالتها، مؤكدًا أن الإيمان لا يسعى إلى فرض نفسه بالقوة أو الامتيازات، لكنه لا يمكن أيضًا أن يُقصى من المجال العام أو يُعامل وكأنه أمر لا أهمية له في حياة المجتمع.
كما أشار إلى أهمية سرية الاعتراف في الكنيسة الكاثوليكية، معتبرًا أنها جزء من الحرية الدينية التي تكفل للمؤمن مساحة مقدسة وآمنة للقاء الله والتعبير عن ضميره بعيدًا عن أي ضغوط خارجية.
وفي ختام كلمته، دعا البابا أعضاء البرلمان الإسباني إلى رفع أنظارهم نحو الإنسان الذي تمسه كل القوانين والقرارات العامة، مؤكدًا أن الحلول التقنية والتشريعية وحدها لا تكفي، بل لا بد من تجدد أخلاقي يرافقها.
وتمنى أن تظل إسبانيا أرض لقاء وثقافة وتضامن ورجاء، وأن يمنح الله السلام لجميع شعوب الأرض، والوئام للعائلات، والطمأنينة للضمائر، وأيامًا من العدالة والازدهار للمملكة الإسبانية.
وقد قوبلت كلمة البابا لاوُن الرابع عشر بتصفيق حار استمر لأكثر من سبع دقائق من قبل أعضاء البرلمان والحضور.