الأخبار
البابا: الله يريد السلام ولا يمكن للعنف أن تكون له الكلمة الأخيرة
اختتم قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، مساء السبت، أعمال الكونسيستوار الاستثنائي الذي استمر يومين في الفاتيكان، بكلمة شكر فيها الكرادلة على روح الأخوّة والحرية والحس الكنسي التي طبعت المناقشات، مؤكداً أن اللقاء شكّل مسيرة مشتركة للتمييز والإصغاء إلى مشيئة الله في خدمة الكنيسة ورسالتها.
واستهل الحبر الأعظم كلمته معربًا عن قربه، باسم مجمع الكرادلة، من الشعب الفنزويلي المتضرر جراء الزلزال العنيف، مؤكداً الصلاة من أجل الضحايا وعائلاتهم، ومثمناً جهود فرق الإغاثة، وداعياً إلى استمرار تضامن الأسرة الدولية.
وأشار البابا إلى أن خبرة الكونسيستوار لم تقتصر على تبادل الأفكار، بل كانت اختباراً حقيقياً للشركة الكنسية، واصفاً اجتماع كرادلة ينتمون إلى كنائس وثقافات وظروف مختلفة، يتحاورون ويصغون بعضهم إلى بعض بحثاً عمّا يخدم الإنجيل، بأنه علامة رجاء وتعزية للكنيسة.
واستعاد الأب الأقدس صورتين إنجيليتين رافقتا أعمال الكونسيستوار، هما السامري الصالح وتلميذا عمّاوس، معتبراً أنهما تجسّدان أسلوب الكنيسة في مرافقة الإنسان، والإصغاء إلى جراحه، وتجديد الرجاء في قلبه.
وفي حديثه عن السينودسية، شدّد البابا على أنها ليست مسألة تتعلق بتوزيع السلطات أو آليات اتخاذ القرار، بل هي أسلوب روحي يقوم على اللقاء والإصغاء والتمييز المشترك، داعياً الكرادلة إلى مرافقة مسيرة تطبيق السينودس وتعزيز مشاركة جميع المؤمنين في حياة الكنيسة ورسالتها.
وتوقف البابا عند أبرز القضايا التي ناقشها الكرادلة، وفي مقدمتها الحروب والعنف والفقر وأزمة العلاقات وفقدان الرجاء، مشيراً بصورة خاصة إلى معاناة الشباب وتوقهم إلى علاقات إنسانية أصيلة، ومؤكداً ضرورة الإصغاء إليهم وإلى العائلات، لأن الأسرة، عندما تُدعَم وتُرافَق، تصبح مدرسة للرجاء والتضامن.
كما أعلن عن لقاء سيُعقد في تشرين الأول المقبل مع قادة الكنائس الشرقية ورؤساء مجالس الأساقفة لتقييم الخطوات التي أُنجزت منذ صدور الإرشاد الرسولي «فرح الحب»، بمشاركة عدد من العائلات لتقاسم خبراتها.
وفي معرض حديثه عن الجلسة المخصصة لموضوع «ثقافة السلطة وحضارة المحبة»، أكد البابا أن الحرب لا تبدأ فقط بالنزاعات بين الدول، بل تنشأ من منطق القوة الذي يطبع العلاقات والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، وحتى الدين أحياناً، مشدداً على أن الرد الحقيقي يكمن في بناء ثقافة الحوار والتعاون وتعزيز التعددية والعمل من أجل الخير العام.
ولفت إلى أهمية دور العلمانيين العاملين في الحياة العامة، داعياً إلى دعمهم في عيش ما سمّاه «المحبة السياسية»، كما أشاد بالمداخلات التي تناولت أهمية اللاعنف باعتباره خياراً إنجيلياً مستمداً من أسلوب المسيح، حيث تتغلب المحبة على الكراهية وتكسر المغفرة دوامة الانتقام.
وأشار البابا أيضاً إلى دعوة عدد من الكرادلة إلى تعميق البحث اللاهوتي والرعوي في مفهوم «الحرب العادلة»، مؤكداً أن العقيدة الاجتماعية للكنيسة لا تقدّم حلولاً جاهزة، بل تربي المؤمنين على قراءة الواقع بروح الإنجيل والعمل بمسؤولية.
وعن محور «بناء الخير العام»، أوضح الحبر الأعظم أن الخير العام لم يعد مجرد هدف يُسعى إليه، بل واقع ينبغي إعادة اكتشافه معاً، داعياً الكنيسة إلى أن تكون فضاءً للقاء والإصغاء والحوار، وأن تعمل بصبر على ترسيخ ثقافة تعترف بالكرامة غير القابلة للمساس لكل إنسان، مؤكداً أن الفقراء ليسوا فقط موضوع عناية الكنيسة، بل هم أيضاً شهود رجاء الله في التاريخ.
وأكد البابا أن ما برز خلال أعمال الكونسيستوار هو الحاجة إلى كنيسة تشهد للمسيح من خلال القرب، وتكوين الضمائر، وبناء جماعات أخوية صادقة، مشدداً على أن الإصلاحات الكنسية لا تؤتي ثمارها إلا إذا انطلقت من اللقاء بالمسيح ومن الأمانة للإنجيل.
وأوضح أن خبرة هذين اليومين عززت رجاءه، ولا سيما في زمن يتسم بالاستقطاب، لأن أسلوب الكنيسة في الإصغاء والحوار أصبح جزءاً من إعلانها للإنجيل، معتبراً أن الكونسيستوار ليس برلماناً تتصارع فيه الآراء، بل خبرة شركة في خدمة الرسالة، ومؤكداً عزمه على عقد هذا اللقاء سنوياً ابتداءً من العام المقبل.
وفي ختام كلمته، شدّد البابا لاوُن الرابع عشر على أن الكونسيستوار يجب ألا يبقى حدثاً معزولاً، بل أن يتحول إلى أسلوب حياة كنسية يقوم على الإصغاء والصلاة والتمييز المشترك.
واختتم الحبر الأعظم بنداء من أجل السلام تبنّاه الكرادلة بالإجماع، قائلاً: «الله يريد السلام لكل أمة ولكل شعب، ولا يمكننا الاستسلام أمام العنف، ولن تكون للعنف الكلمة الأخيرة. إن الله يواصل فتح دروب المصالحة والسلام في التاريخ، ومسؤوليتنا أن نسير فيها بشجاعة ونساعد العالم على اكتشافها».