الأخبار
معجزة الثلج في بازيليك مريم الكبرى... إيمانٌ ترويه الفنون وتحييه الليتورجيا
منذ أكثر من سبعة قرون، ترافق رواية سيدة الثلج زوار بازيليك القديسة مريم الكبرى في روما، من خلال الفسيفساء والنقوش واللوحات التي تحفظ قصة تأسيس هذا المزار المريمي العريق. وفي الخامس من آب من كل عام، تبلغ هذه الذاكرة الفنية والروحية ذروتها خلال الاحتفال الليتورجي، حين تتساقط بتلات الورود البيضاء من سقف البازيليك، في مشهد يستعيد الثلج العجائبي الذي هطل، بحسب التقليد، على تلة الإسكويلينو عام 358 ميلادية.
ولا تقتصر قصة المعجزة على الاحتفال السنوي، بل ترافق الزائر منذ الواجهة الخارجية للكنيسة وصولًا إلى قلبها، ضمن مسار فني متكامل يُظهر كيف حافظت الأجيال المتعاقبة على رواية تأسيس المزار، وأعادت تقديمها بأساليب فنية مختلفة.
الفسيفساء تروي بداية المعجزة
تبدأ الرحلة قبل دخول البازيليك، من رواق البركات، حيث تجسّد فسيفساء أنجزها فيليبو روسوتي بين أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر سلسلة من مشاهد الرواية: حلم النبيل يوحنا، وحلم البابا ليبيريوس، ولقاءهما، ثم تساقط الثلج الذي دلّ، وفق التقليد، على المكان المخصّص لبناء الكنيسة الجديدة.
وتظهر العذراء مريم إلى جانب ابنها داخل هالة إلهية، فيما تتساقط الثلوج تدريجيًا، وسط مشهد تضيئه خلفيات ذهبية صُممت لتكون واضحة للمؤمنين القادمين من الساحة. ولم تُنشأ هذه الفسيفساء للزينة فحسب، بل لتقدّم للزائر الفصل الأول من رواية ستتواصل داخل البازيليك.
الرواية تنتقل إلى قلب المزار
بعد عبور المدخل، تظهر المعجزة مجددًا في محطات فنية أخرى. ففي القرن الخامس عشر، جرى تصويرها على مظلة المذبح الرئيسي المعروفة باسم مظلّة الثلج، إلى جانب مشاهد مرتبطة بهوية المزار، من بينها الميلاد وسجود المجوس.
وتُنسب النقوش إلى مينو ديل رييامي، فيما يرجّح بعض الباحثين أنها من أعمال مينو دا فييزولي. وفي مشهد المعجزة، يحتل البابا ليبيريوس مركز التكوين، محاطًا بعدد من الشخصيات، وخلفه هندسة معمارية تعود إلى عصر النهضة تمنح العمل توازنًا وعمقًا بصريًا.
وخلال أعمال التجديد الكبرى التي أشرف عليها فرديناندو فوغا في القرن الثامن عشر، نُقلت النقوش الأربعة من المظلة القديمة للمذبح البابوي إلى منطقة الحنية، حيث وُضعت إلى جانب مشهد تأسيس البازيليك في عهد البابا ليبيريوس، لتدخل الرواية بذلك ضمن الزخرفة المعمارية الكبرى للمبنى.
البابا ليبيريوس يرسم حدود الكنيسة
وفي الكنيسة البولسية، فوق أيقونة العذراء خلاص الشعب الروماني، تظهر المعجزة في عمل مختلف أنجزه ستيفانو ماديرنو نحو عامي 1610 و1611.
ولا يستعيد هذا العمل كامل القصة، بل يركّز على لحظتها الأكثر دلالة، حين يرسم البابا ليبيريوس على الثلج حدود البازيليك المقبلة. وتحيط به مجموعتان من الشخصيات، فيما يبرز بياض الثلج وسط الأشكال المذهّبة، لتتحول هذه الحركة إلى إحدى أشهر الصور المرتبطة بتأسيس المزار.
المعجزة في لوحة جاكوبو زوكي
وتعود القصة للظهور في لوحة معجزة الثلج لجاكوبو زوكي، التي أُنجزت قرابة عام 1580 لصالح البازيليك، وتُعرض اليوم في متحفها.
وفي اللوحة، تظهر العذراء بعيدة في السماء، بينما يغطي الثلج الأرض في مشهد أشبه بحديقة عجائبية، يرسم البابا فوقها حدود الكنيسة. ويعكس العمل لغة فنية مختلفة عن الفسيفساء والنقوش، إذ يوظف أسلوب أواخر عصر النهضة في تكوين غني بالتفاصيل، مؤكّدًا أن الرواية بقيت حيّة وقابلة لإعادة التعبير عنها وفق حساسية كل عصر.
من روما إلى أوروبا
ولم تبقَ معجزة الثلج محصورة في تلة الإسكويلينو، بل امتد حضورها الفني بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر إلى عدد من أبرز الفنانين الأوروبيين.
فقد تناولها ماسولينو دا بانيكالي في عمل نفّذه لعائلة كولونا، وعاد إليها بييترو بيروجينو في جزء من مذبح أُعد لكنيسة البشارة في فلورنسا، كما فسّرها ماتياس غرونيفالد في ألمانيا، وخصّص لها بارتولومي إستيبان موريو لوحتين كبيرتين لكنيسة سانتا ماريا لا بلانكا في إشبيلية. وعلى الرغم من اختلاف أساليب هؤلاء الفنانين، تشهد أعمالهم على الانتشار الواسع لعبادة سيدة الثلج خارج روما، وتحولها إلى جزء من التراث الفني الأوروبي.
احتفال الخامس من آب
ويستعيد المؤمنون اليوم القصة نفسها في بازيليك القديسة مريم الكبرى خلال عيد سيدة الثلج في الخامس من آب. فبعد أن يلتقي الزائر الرواية في الواجهة والنقوش والكنيسة البولسية والمتحف، يراها تتجدد أمام عينيه عندما تتساقط بتلات الورود البيضاء من سقف البازيليك أثناء الاحتفال.
ولا تكتفي هذه البتلات بتصوير الرواية، بل تعيد إحياءها في المكان الذي يحفظ منذ قرون فسيفساءها ونقوشها ولوحاتها، وحيث يضع التقليد موقع المعجزة. وهنا تكمن خصوصية بازيليك القديسة مريم الكبرى: فهي لا تصون قصة تأسيسها في آثارها الفنية فحسب، بل تجددها سنويًا في احتفال يبقي واحدة من أكثر العبادات المريمية محبةً وانتشارًا في روما حيّةً في ذاكرة المؤمنين.