كتّاب المحبّة
بين الحرب والسلام الداخلي: كيف يساعدنا الإيمان المسيحي على مواجهة الضغوط النفسية؟
يعيش اللبنانيون اليوم تحت وطأة ضغوط نفسية متزايدة نتيجة الحروب المتكررة والتهديدات الأمنية المستمرّة والقلق على المستقبل. فمشاهد الدمار، وأخبار القصف، والخوف على الأحبة، وعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، كلها عوامل تترك آثارًا عميقة على النفس البشرية. وقد بات كثيرون يشعرون بالتوتّر الدائم، والأرق، والخوف، وفقدان الطمأنينة، وكأنّ الحرب لم تعد تدور فقط على الحدود، بل داخل القلوب والعقول أيضًا.
في مواجهة هذه التحديات، يدعونا الإيمان المسيحي إلى عدم الاستسلام للخوف واليأس، بل إلى الاتّكال على الله الذي يرافق الإنسان في أشدّ لحظات الألم. فقد قال يسوع لتلاميذه: "لا تضطرب قلوبكم. أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي أيضًا" (يوحنا 14: 1)، وأضاف: "سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم. لا كما يعطيه العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا تجبن". (يوحنا 14: 27).
ولعلّ من أجمل المشاهد الإنجيلية التي تعبّر عن واقعنا اليوم حادثة هبوب العاصفة على بحر الجليل. كان التلاميذ في القارب وسط أمواج عاتية والرياح هوجاء، بينما كان يسوع نائمًا. ومع اشتداد الخوف أيقظوه صارخين: "يا رب، نجّنا فإننا نهلك". عندها قام وانتهر الرياح والبحر فصار هدوء عظيم. لم تكن المشكلة الحقيقية في قوة العاصفة بقدر ما كانت في ضعف ثقة التلاميذ بحضور المسيح معهم. فوجود يسوع في القارب لم يمنع العاصفة من الهبوب، لكنّه منع العاصفة من أن تقول الكلمة الأخيرة!
أليست هذه صورة عن حياتنا في لبنان؟ فالحرب قد تشتد، والأخبار قد تزداد قسوة، والقلق على المستقبل قد يُثقل النفوس، لكنّ المسيح لا يغادر القارب. قد يبدو صامتًا أحيانًا أو نائمًا بحسب نظرتنا البشرية، لكنّه حاضر في قلب العاصفة، وقادر في اللحظة المناسبة أن يمنحنا ذلك "الهدوء العظيم" الذي يفوق كلَّ فهم.
ومن اللافت أنّ عبارة "لا تخافوا" أو ما يعادلها من دعوات إلى عدم الخوف والثقة بالله تتكرر مرارًا في الكتاب المقدس، حتى شاع القول إنها وردت 365 مرة، أي بمعدّل رسالة لكلّ يوم من أيام السنة. ورغم أنّ العدد الدقيق محلّ نقاش بين الباحثين تبعًا للترجمات وطريقة الإحصاء، إلا أنّ الحقيقة الروحية تبقى واضحة: الله يكرّر باستمرار دعوته إلى عدم الخوف، لأنّه يعلم كم يميل الإنسان إلى القلق والاضطراب.
إنّ الأمور التي تدفعنا إلى الخوف كثيرة ومتغيّرة. نخاف الحرب وما قد تحمله من دمار ونزوح وخسائر، ونخاف المرض وما يرافقه من ألم وعدم يقين، ونخاف الموت، والأزمات الاقتصادية، وانعدام الاستقرار الأمني، والمجهول الذي يخبّئه لنا الغد. كلّ هذه المخاوف تتبدّل من يوم إلى آخر، لكنها تشترك في أمر واحد: إنّها متقلّبة وغير ثابتة.
أمّا الذي يقول لنا: "لا تخافوا" فهو واحد وثابت. هو المسيح نفسه، أمس واليوم وإلى الأبد. لا يتغيّر بتغيّر الظروف، ولا يتزعزع أمام الحروب والأزمات، ولا يفقد سلطانه أمام المرض أو الموت. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا أخضع لكلّ ما يخيفني وأنسى المصدر الوحيد القادر أن يزرع السلام الحقيقي في قلبي؟ لماذا أسمح للأخبار اليوميّة أن تتحكّم بمشاعري أكثر من كلمة الله؟ ولماذا أصدّق أصوات الخوف المتعدّدة وأهمل الصوت الواحد الذي يكرّر لي دومًا: "أنا معك"؟
وفي هذا السياق، شدّد العديد من القديسين على هذه الحقيقة. فالقديسة تريزا الطفل يسوع كانت تقول: "الثقة ولا شيء سوى الثقة هي التي تقودنا إلى الحب"، أما القديس بادري بيو فكان يردّد: "صلِّ، ارجُ، ولا تقلق". وهي كلمات تختصر مسيرة المؤمن وسط المحن: أن يرفع نظره إلى الله بدل أن يبقى أسيرًا للمخاوف التي تحيط به.
كذلك علّمنا القديس فرنسيس الأسيزي أنّ السلام يبدأ من الداخل قبل أن ينتشر في المجتمع، ولذلك صلّى قائلاً: "يا رب، اجعلني أداةً لسلامك". فالعالم لا يحتاج فقط إلى نهاية الحروب، بل يحتاج أيضًا إلى قلوب لا تسمح للخوف أن يسرق منها الرجاء.
ومن هذا المنطلق، لا يدعونا الإيمان المسيحي إلى تجاهل الواقع أو إنكار المعاناة، بل إلى النظر إليها بعين الرجاء. فالسلام الذي يمنحه المسيح ليس نتيجة ظروف مثالية، بل ثمرة الثقة بحضوره الدائم. وعندما يضع الإنسان مخاوفه بين يديّ الله، يكتشف أنّ ما يهدّده من الخارج لا يستطيع أن يسلبه سلامه الداخلي.
في لبنان الجريح اليوم، قد لا نستطيع إيقاف الحروب أو تغيير الأحداث الكبرى، لكنّنا نستطيع أن نختار لمن نعطي السلطة على قلوبنا: أللخوف المتبدّل الذي يولد كلّ يوم بأشكال جديدة، أم للمسيح الثابت الذي يكرّر دومًا: "لا تخف، فأنا معك؟" هناك، في هذه الثقة، يبدأ السلام الحقيقي، ويولد الرّجاء الذي لا تستطيع أي عاصفة أن تُغرِقه!
الإعلامي روي أبو زيد