كتّاب المحبّة

من قلب أنطاكية… إلى لبنان الرسالة

من قلب أنطاكية… إلى لبنان الرسالة

كانت أنطاكية أكثر من مدينة. كانت فكرةً تمشي على الأرض. مدينةً يلتقي فيها الشرق بالغرب، والفلسفة بالإيمان، والتجارة بالصلاة، والإنسان بالله. هناك، على ضفاف العاصي، لم تولد فقط واحدة من أعظم الحواضر في التاريخ، بل وُلد أيضًا معنى جديد للإنسان، حين دُعي أتباع المسيح لأول مرة "مسيحيين". 

في تلك المدينة التي سمّاها المؤمنون "ملكة الشرق"، وثيوبوليس أي "مدينة الله" بدء من القرن السادس، لم يكن الإيمان جدارًا يعزل الناس بعضهم عن بعض، بل نافذةً واسعة على الآخر. أنطاكية التي ضمّت شعوبًا وأعراقًا وثقافات متعددة، تعلّمت باكرًا أن التنوّع ليس تهديدًا، بل غنى. وربما لهذا السبب بالذات خرج من تربتها ذلك الفكر اللاهوتي الأنطاكي الذي ميّز الشرق المسيحي بطابعه الإنساني العميق، وبسعيه الدائم إلى التوفيق بين الحقيقة والمحبة، بين العقيدة والإنسان. 

ومن تلك الروح الأنطاكية، خرجت المارونية. لم تولد المارونية مشروع انعزال، ولا جماعة خائفة تبحث عن ملجأ طائفي، بل ولدت مدرسةً في الثبات والحرية والانفتاح. لقد حمل الموارنة معهم من أنطاكية إيمانًا متجذرًا، ولكنهم حملوا أيضًا رؤيةً للإنسان، تعتبر أن الكرامة الإنسانية تسبق كل انقسام، وأن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بقدرته على إقصاء الآخر، بل بقدرته على احتضانه دون أن يفقد ذاته. 

ولعلّ أجمل ما في التراث الأنطاكي أنّه لم يفصل يومًا بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية في المسيح إلا ليؤكد اتحادهما العجيب "بلا اختلاط ولا امتزاج".  وكأنّ هذا التعليم نفسه تحوّل، عبر القرون، إلى دعوةٍ للبنان: أن يبقى بلدًا تتجاور فيه الهويات دون أن تذوب، وتتلاقى فيه الطوائف دون أن تلغي إحداها الأخرى. فلبنان الحقيقي ليس وطن التشابه، بل وطن اللقاء. ليس وطن اللون الواحد، بل وطن الفسيفساء التي لا يكتمل جمالها إلا بتنوّع حجارتها.

حين لجأ الموارنة إلى جبال لبنان، لم يحملوا معهم فقط الكتب والصلبان والتراتيل، بل حملوا أيضًا روح أنطاكية؛ روح العيش مع المختلف، والصمود من أجل الحرية، والإيمان بأن الإنسان أكبر من العصبيات الضيقة. ولذلك، لم يكن لبنان بالنسبة إليهم مجرد جغرافيا، بل رسالة. رسالة تقول إن الشرق ليس محكومًا بالحروب الأبدية، وإن أبناء الديانات المختلفة قادرون أن يبنوا معًا وطنًا يشبه الأرز: متجذرًا في الأرض، ومنفتحًا على السماء.

ومن هنا، فإن الحديث عن مار مارون أو عن دير مار مارون أو عن يوحنا مارون، لا ينبغي أن يبقى مجرد نقاش تاريخي حول أصل التسمية.  فالأهم من الاسم هو الروح التي وُلد منها هذا التاريخ: روح رجال ونساء تمسّكوا بإيمانهم، لكنهم لم يحوّلوا إيمانهم إلى سيف. روح رهبان عاشوا في القمم، لكن قلوبهم بقيت مفتوحة على الناس جميعًا. روح كنيسة فهمت أن القداسة ليست هروبًا من العالم، بل خدمةً له.

واليوم، في لبنان المثقل بالجراح والانقسامات، تبدو العودة إلى أنطاكية الروح ضرورةً أكثر من أي وقت مضى. فنحن لا نحتاج فقط إلى اتفاقات سياسية، بل إلى إعادة اكتشاف تلك النظرة الشرقية العميقة التي ترى في الآخر شريكًا في الوطن لا خصمًا في الوجود. لبنان لا يُشفى بالخوف المتبادل، ولا بالأسوار النفسية والطائفية. لبنان يُشفى حين يتذكّر أبناؤه أنّ هذه الأرض خُلقت لتكون مساحة لقاء، وأن الأرز لا يسأل الزيتونة عن دينها كي يمنحها ظلّه.

من أنطاكية إلى وادي قنوبين، ومن أديرة العاصي إلى قرى الجنوب والبقاع والجبل، بقيت الرسالة واحدة: أن الإنسان يستطيع أن يكون ثابتًا في إيمانه، ومنفتحًا في قلبه، وعميقًا في انتمائه، دون أن يتحوّل إلى عدوّ لأخيه الإنسان. وهذا ربما هو المعنى الأجمل للبنان: أن يبقى، رغم كل شيء، محاولةً مستمرة لصناعة وطن يشبه الإنجيل في رحم الشرق.


الخوري ميخائيل قنبر

دراسات عليا في العلوم الدينية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم