كتّاب المحبّة
بين طبخ الميرون وتقديسه... أنتم رائحة المسيح الطيّبة
في كل مرة تحتفل فيها الكنيسة بطبخ الميرون المقدس وتقديسه، لا تقف عند حدود طقس جميل أو تقليد عريق توارثته الأجيال، بل تعود إلى جوهر رسالتها وهويتها. فالميرون ليس مجرد زيت معطّر، بل هو علامة حضور الروح القدس وعمله في المؤمنين، وختمٌ إلهيّ يجعل من المسيحي شاهداً للمسيح في العالم.
إن عملية إعداد الميرون تحمل في طياتها رمزية عميقة. فالزيت يُمزج بعشرات الأطياب والعطور المختلفة، ثم يُطبخ لساعات طويلة حتى تتوحد مكوناته وتنبعث منه رائحة زكية. وكأن الكنيسة تريد أن تقول لنا إن القداسة لا تُصنع بلحظة عابرة، بل هي مسيرة طويلة من النضوج والتطهير والتكريس. فكما تخضع مكونات الميرون للنار حتى تفيض عطراً، كذلك يمر المؤمن بتجارب الحياة وآلامها وتحدياتها لكي تتنقى ذاته وتشرق فيه صورة المسيح.
عندما يُمسح الطفل أو البالغ بالميرون المقدس بعد المعمودية، لا ينال مجرد بركة عابرة، بل يدخل في علاقة جديدة مع الله، ويُدعى ليكون هيكلاً للروح القدس ورسولاً للإنجيل. ومنذ تلك اللحظة يصبح مدعواً لأن يحمل إلى العالم "رائحة المسيح الطيبة" كما يقول القديس بولس: "لأننا رائحة المسيح الزكية لله" (2 كورنثوس 15:2).
غير أن عالمنا اليوم يضجّ بروائح أخرى: رائحة الحروب والكراهية، رائحة الفساد والطمع، رائحة اليأس والانقسام، ورائحة الفردية التي تجعل الإنسان أسير ذاته ومصالحه. وفي وسط هذا الضجيج، يبرز السؤال: هل ما زال المسيحي يحمل رائحة الميرون الذي مُسح به؟ وهل ما زالت حياته تنشر عبير الإنجيل في بيئته وعائلته ومجتمعه؟
إن الميرون لا يُختزل في لحظة طقسية، بل يتحول إلى أسلوب حياة. فالمسيحي المدهون بالميرون هو إنسان السلام وسط النزاعات، وإنسان الرجاء وسط الإحباط، وإنسان المحبة وسط الكراهية. إنه ذاك الذي يجعل الآخرين يشعرون بحضور الله من خلال كلماته وأفعاله ومواقفه. فالرائحة لا تُرى ولكنها تُشعر الآخرين بوجود صاحبها، وكذلك المؤمن الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى كثرة الكلام، بل يكفي أن تعكس حياته وجه المسيح ليشهد له.
وفي لبنان، حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تبدو هذه الدعوة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمسيحي ليس مدعواً إلى الانكفاء أو الشكوى فقط، بل إلى أن يكون خميرة صالحة في العجين، ونوراً في العتمة، وعطراً روحياً يبدد روائح الفساد واليأس. فالميرون الذي ختمه بالروح القدس يحمّله مسؤولية الشهادة والالتزام والبناء.
وفي خضمّ الحديث المتواصل عن الوجود المسيحي في الشرق ولبنان، لا بدّ من الانتقال من هاجس البقاء إلى وعي الرسالة. فالمسيحي لم يُدعَ فقط إلى الدفاع عن وجوده العددي أو التاريخي أو الجغرافي، بل إلى عيش دوره كشاهد للإنجيل وصانع رجاء في مجتمعه. إن معركة الوجود، على أهميتها، تبقى ناقصة إذا لم تتحول إلى معركة الحضور الفاعل والرسالة الخلّاقة. فالميرون الذي خُتم به المؤمن لا يدعوه إلى الانكفاء خلف مخاوفه، بل إلى الانطلاق نحو محيطه حاملاً نور المسيح وقيم الإنجيل. إن مستقبل المسيحيين في هذا الشرق لا يُبنى بالخوف من التراجع فحسب، بل بالقدرة على تقديم نموذج إنساني وروحي وثقافي يجعل من وجودهم حاجةً ورسالةً وعطاءً. فالمسيحي المدهون بالميرون مدعوّ إلى أن يسأل نفسه لا: كيف أبقى فقط؟ بل: ماذا أقدّم؟ وما هي الرسالة التي أوكلها الله إليّ في هذا الوطن وفي هذا الشرق؟
بين طبخ الميرون وتقديسه إذاً، تتجدد دعوة الكنيسة لكل مؤمن: لا تكتفِ بأن تحمل ختم الميرون على جبينك، بل اجعل منه عطراً يفوح من حياتك. فالعالم لا يحتاج إلى مسيحيين بالاسم فقط، بل إلى رجال ونساء تنبعث منهم رائحة المسيح الطيبة، فيعرف الناس من خلالهم أن الله ما زال حاضراً ويعمل في قلب هذا العالم.
فليكن الميرون الذي مُسحنا به ناراً تُطهّرنا، وروحاً تجدّدنا، وعطراً يرافق خطواتنا، حتى نصبح حقاً رائحة المسيح الطيبة في زمنٍ يفتش فيه الكثيرون عن معنى للحياة ورجاء للمستقبل. وحينها فقط يتحول وجودنا من مجرد حضورٍ نحرص على استمراره إلى رسالةٍ تشعّ في المجتمع، ومن خوفٍ على البقاء إلى فرحٍ بالعطاء، ومن قلقٍ على المصير إلى ثقةٍ بأن الله الذي ختمنا بالميرون إنما أرسلنا لنكون شهوداً له، وملحاً للأرض، ونوراً للعالم.
الخوري طوني بو عساف
دكتور في العلوم التربوية
من الأبرشية البطريركية - نيابة جونيه