كتّاب المحبّة

في الأحد الخامس من زمن العنصرة: إلهٌ يدعو الإنسان إلى حياة جديدة

في الأحد الخامس من زمن العنصرة: إلهٌ يدعو الإنسان إلى حياة جديدة

تدعونا قراءات هذا الأحد الخامس بعد العنصرة إلى اكتشاف حركة نعمة الله في حياة الإنسان. فالله الذي نلتقي به في الكتاب المقدس ليس إلهاً بعيداً عن مسيرة البشر، بل هو الإله الذي يدخل في تاريخهم، يرافقهم في ضعفهم، يحوّل قلوبهم، ويرسلهم ليكونوا شهوداً لحضوره في العالم.

نرى اليوم ثلاثة مشاهد روحية مترابطة:

شعب إسرائيل الذي ينمو وسط العبودية، وبولس الرسول الذي يكتشف أن المسيح هو الكنز الوحيد، والرسل الذين يُدعون ويُرسلون ليعلنوا اقتراب ملكوت الله.

وهذه هي مسيرة كل مؤمن: أن ينتقل من الخوف إلى الثقة، ومن التعلّق بالذات إلى الاتحاد بالمسيح، ومن استقبال النعمة إلى حملها للآخرين.

أولاً: الله يعمل في الخفاء ويُثمر الحياة وسط المحنة

يبدأ سفر الخروج بعبارة تحمل رجاءً عظيماً:

«وأثمر بنو إسرائيل وأكثروا ونموا وتعاظموا جداً» (خر 1: 7).

المشهد يبدو غريباً: شعبٌ في أرض غريبة، بعيد عن أرض الموعد، يعيش تحت ثقل العبودية، ومع ذلك تنمو فيه الحياة. إن يد الله كانت تعمل حيث لا يراها أحد.

هذه هي طريقة الله: لا يتوقف عمله بسبب الصعوبات، ولا تلغي المحن مواعيده. فالإنسان يرى القيود، أما الله فيرى المستقبل. الإنسان يرى الليل، أما الله فيهيئ الفجر.

في التقليد الروحي للكنيسة، يشكّل خروج إسرائيل صورة لمسيرة كل نفس بشرية: فهناك دائماً “مصر” التي تدعونا إلى التحرر منها، وهناك دائماً دعوة للعبور نحو حرية أبناء الله.

فالرب قادر أن يجعل من أرض التعب مكاناً للنمو، ومن التجربة مدرسة للإيمان.

وهنا نتعلم أن بركة الله لا ترتبط دائماً بغياب الصعوبات، بل بحضور الله معنا خلالها.

ثانياً: المسيح يحوّل القلب ويجعل نفسه الربح الحقيقي.

ينقلنا القديس بولس إلى خبرة التحول العميق، فيقول:

«ما كان لي ربحاً فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة» (في 3: 7).

كان بولس يملك الكثير بحسب مقاييس العالم: المعرفة، المكانة، الانتماء الديني، والالتزام بالشريعة. لكنه بعد لقائه بالمسيح اكتشف أن كل هذه الأمور، مهما كانت ثمينة، لا تستطيع أن تمنح الإنسان الحياة الكاملة بدون المسيح.

لم يرفض بولس مواهبه، بل أعاد ترتيبها. لم يعد يعيش لنفسه، بل أصبح المسيح مركز حياته.

وهنا تكمن دعوة الإنجيل لكل واحد منا: ما هو الشيء الذي يحتل مكان المسيح في قلوبنا؟ ما الذي نعتبره ربحاً حقيقياً؟

تعلمنا الكنيسة، أن القداسة تبدأ عندما يسمح الإنسان للمسيح أن يغيّر قلبه. فاللقاء مع يسوع ليس فكرة نظرية، بل ولادة جديدة تجعل الإنسان يعيش من أجل الحب والخدمة.

ولهذا يقول بولس:

«لأعرفه وأعرف قوة قيامته وشركة آلامه» (في 3: 10).

معرفة المسيح ليست مجرد معرفة عقلية، بل شركة حياة؛ أن نسير معه في طريق الصليب نحو القيامة.

ويقول أيضاً:

«أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام» (في 3: 13).

فالمؤمن لا يبقى أسير الماضي، لا جراحه ولا نجاحاته، بل ينطلق دائماً نحو الدعوة التي يضعها الله أمامه.

وهذا ما نراه في حياة القديسين ، الذين جعلوا من حياتهم شهادة حية أن الإنسان عندما يفتح قلبه للمسيح يصبح نوراً للآخرين.

ثالثاً: المسيح يدعو ويرسل ليكون المؤمن رسولاً للرجاء.

يقول الإنجيل:

"دعا يسوع تلاميذه الاثني عشر" (مت 10: 1).

قبل أن يرسلهم يسوع، دعاهم. وقبل أن يعطيهم الرسالة، أقامهم معه.

هذه قاعدة أساسية في الحياة المسيحية: الرسالة تنبع من العلاقة مع المسيح. فالذي لا يعيش مع الرب لا يستطيع أن يحمل روحه إلى الآخرين.

الرسل لم يكونوا أصحاب مشروع بشري، بل شهوداً اختبروا حضور المسيح وأُرسلوا ليعلنوا:

"قد اقترب ملكوت السماوات" (مت 10: 7).

فالملكوت ليس مجرد فكرة أو نظام، بل هو حضور المسيح الذي يدخل إلى حياة الإنسان ويجعلها جديدة.

ولهذا تدعونا الكنيسة اليوم، كما يذكّرنا  البابا لاوُن الرابع عشر، إلى أن نكون كنيسة شاهدة، تحمل الرحمة والرجاء، لا بالكلمات فقط، بل بنمط حياة يعكس محبة المسيح.

فالرسالة تبدأ من القريب: من العائلة، من الأبناء، من الذين فقدوا الرجاء، ومن الذين يحتاجون إلى كلمة محبة وحضور صادق.

والإيمان لا يُفرض، بل يُقدَّم شهادة. فالمسيحي لا يربح الآخرين بالقوة، بل بجمال الحياة التي تحوّلها نعمة الله.


"أن يصبح المسيح غنى حياتنا"

تدعونا قراءات اليوم إلى مسيرة واحدة:

يعلمنا إسرائيل أن نثق بالله حتى في زمن المحنة.

ويعلمنا بولس أن نترك كل ما يبعدنا عن المسيح لنربحه هو.

ويعلمنا الرسل أن كل واحد منا مدعو إلى أن يكون رسولاً في المكان الذي وضعه الله فيه.

وفي هذا الأحد الذي نحتفل فيه بعيد الأب، نرفع صلاة شكر لكل أب يحمل دعوة الأبوة بمحبة وتضحية. فالأب هو صورة من عناية الآب السماوي، الحاضر مع عائلته، الساهر عليها، والزارع فيها الإيمان والرجاء.

نسأل الرب أن يبارك الآباء الأحياء ويمنحهم الحكمة والقوة، وأن يرحم الآباء الذين سبقونا إلى بيت الآب، مكافئاً إياهم على كل حب زرعوه.

فلنطلب أن يصبح المسيح كنز قلوبنا الوحيد، وعندها تتحول حياتنا إلى رسالة، ويصبح كل واحد منا شاهداً يقول بفرح:

"قد اقترب ملكوت السماوات" آمين.


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية



عودة إلى المقالات

إخترنا لكم