كتّاب المحبّة
"قلب يسوع… عشق السماء للإنسان"
هناك أمور كثيرة يمكن أن نقولها عن قلب يسوع: إنه قلب الرحمة، وقلب الحب، وقلب الخلاص. لكن ربما أجمل ما يمكن أن نقوله اليوم هو أن قلب يسوع هو قصة عشق السماء للإنسان. فالله لم يكن يومًا إلهًا بعيدًا يراقب الإنسان من علٍ، بل إلهًا لم يحتمل فكرة أن يبقى الإنسان بعيدًا عنه.
في بداية الكتاب المقدس، بعد أن سقط آدم واختبأ، لم يرفع الله صوته غضبًا، ولم يعلن أحكامه أولًا، انما خرج يبحث عن الإنسان بسؤال لا يزال يتردد حتى اليوم: "أين أنت؟". منذ تلك اللحظة، بدأت قصة عشق السماء للإنسان. إنها قصة إله يفتش عن الإنسان أكثر مما يفتش الإنسان عنه. كل تاريخ الخلاص ليس إلا رحلة حب طويلة قطعها الله لكي يعود الإنسان إلى قلبه.
عندما جاء ملء الزمان، لم يرسل الله فكرة، ولم يرسل رسالة، فقد أعطى ذاته. نزل من سمائه، ولبس إنسانيتنا، ولم يأخذ جسدًا فقط، بل أخذ قلبًا أيضًا. صار لله قلب بشري. قلب يفرح، ويحزن، ويشتاق، ويتحنن، ويبكي.
وكأن الله أراد أن يقول لنا: لن تبقوا بعد اليوم غرباء عن مشاعري، ستجدون مكانكم داخل قلبي نفسه. ولعل أجمل أسرار هذا القلب أنه لا يخاف من ضعف الإنسان. فالعالم يقترب من الأقوياء، ويصفق للناجحين، ويمجد أصحاب الإنجازات. أما قلب يسوع فله اتجاه آخر. إنه ينجذب إلى المتعبين، وإلى المنهكين، وإلى الذين يحملون خيباتهم بصمت.
اقترب من زكا وهو مختبئ فوق الشجرة. ودافع عن المرأة الخاطئة وهي محاطة بالاتهامات. ورفع بطرس بعد إنكاره. وفتح الفردوس للص اليمين في آخر لحظات حياته. وذلك لأن الرحمة أقوى من الخطيئة. لهذا السبب، لا يبدأ عشق الله لنا عندما نصبح كاملين، لكن عندما نسمح له أن يدخل إلى هشاشتنا. لأن قلب يسوع لا يهرب من جراحنا، بل يسكنها.
ومن هنا نفهم سرًا عجيبًا: لماذا بقي جرح جنب المسيح مفتوحًا حتى بعد القيامة؟ كان يستطيع أن يقوم بجسد ممجد بلا أثر للألم، لكنه احتفظ بالجرح. لأن هذا الجرح لم يعد علامة موت، لكنه صار بابًا. بابًا بين السماء والأر: توما دخل إلى الإيمان من خلال هذا الجرح. والكنيسة ولدت من هذا الجرح. والأسرار خرجت من هذا الجرح. وكأن السماء تقول للبشرية كلها: لن أغلق الباب الذي فتحته لأجلكم. لأن الصليب ليس مجرد وسيلة للخلاص، بل هو أعظم إعلان حب عرفه التاريخ.
فالإنسان كثيرًا ما يسأل نفسه: هل الله يحبني حقًا؟ فيأتي الجواب بصمت من فوق خشبة الصليب.
كأن قلب يسوع يقول لكل واحد منا: لقد أحببتك إلى النهاية.
لهذا السبب أيضًا يشعر الإنسان في أعماقه بغربة لا يستطيع شيء أن يملأها. ينجح، ويجمع، ويبني، ويصل إلى أماكن كثيرة، ومع ذلك يبقى في داخله فراغ خفي. لأن الانسان خُلق لقلب أكبر من العالم كله. لقد كنا نظن أن الوطن هو مكان، لكن يسوع كشف لنا أن الوطن الحقيقي هو قلب. قلب مفتوح منذ الأزل ينتظر أبناءه. وحتى بعد الصعود، لم يشأ يسوع أن يبتعد.
كان يستطيع أن يتمم الخلاص ويعود إلى مجده، لكنه اختار أن يبقى.
في كل إفخارستيا، تتكرر المعجزة نفسها: السماء لا تنتظر الإنسان في آخر حياته فقط، انما تنزل إليه كل يوم. لأنها عشق السماء الذي يرفض المسافات. هي قلب يسوع الذي لا يمل من الانتظار.
وفي النهاية، ربما لن تكون مأساة الإنسان الكبرى أنه أخطأ كثيرًا، وإنما أنه لم ينتبه إلى أن السماء كانت تقترب منه طوال حياته بمحبة لا تنطفئ. من الفردوس إلى بيت لحم، ومن بيت لحم إلى الجلجلة، ومن الجلجلة إلى الإفخارستيا، ومن الإفخارستيا إلى السماء، هناك خيط واحد لا ينقطع أبدًا: عشق الله للإنسان.
لهذا، عندما نتأمل بقلب يسوع، لا نتأمل عضوًا من جسد المسيح، ولا مجرد رمز تعبدي، انما نتأمل قلب إله لم يحتمل أن يعيش الإنسان بعيدًا عنه فقد نزل إليه لأنه احبه. والصليب كان برهان الحب. والإفخارستيا هي بقاء الحب. والسماء ستكون اكتمال الحب.
أما قلب يسوع… فهو عشق السماء للإنسان.
المطران مار متياس شارل مراد
النائب البطريركي لأبرشية بيروت للسريان الكاثوليك