كتّاب المحبّة
في الأحد السادس من زمن العنصرة، دعوة التلميذ: أن يحمل الإنجيل بثقة وسط الإضطهاد
في زمن العنصرة، حيث تتابع الكنيسة مسيرتها بعد حلول الروح القدس، تدعونا كلمة الله إلى اكتشاف أن الإيمان ليس فقط فرح لقاء مع المسيح، بل هو أيضًا رسالة ومسؤولية. فالروح الذي نزل على الرسل لم يجعلهم يعيشون في الخوف أو الانغلاق، بل دفعهم إلى الخروج إلى العالم حاملين بشرى الخلاص.
إن إنجيل هذا الأحد يضعنا أمام حقيقة جوهرية: من يتبع المسيح يدخل في منطق الرسالة. فالرب لا يدعو تلاميذه إلى طريق الراحة والمجد الأرضي، بل يرسلهم ليكونوا شهودًا في عالم يحتاج إلى نور الإنجيل. قد يواجه التلميذ الرفض والألم، لكنه لا يكون أبدًا وحيدًا، لأن الذي أرسله هو نفسه الذي يرافقه ويقويه بروحه القدوس.
-أولاً: التلميذ المرسل… يحمل الإنجيل وسط الاضطهاد.
لا يمكن أن نفهم كلام يسوع عن إرسال تلاميذه وسط الذئاب من دون أن نضعه في الإطار التاريخي الذي عاشته الكنيسة الأولى. فالتلاميذ لم ينطلقوا في طريق مريح أو مضمون، بل دخلوا عالمًا مليئًا بالمقاومة والرفض. لقد واجهوا اضطهادًا من بعض القيادات الدينية، كما واجهوا اضطهاد السلطات الرومانية، لأن شهادة الإنجيل كانت دعوة إلى تغيير الإنسان والعالم.
لكن يسوع لا يرسل تلاميذه ليحملوا روح الانتقام، بل ليحملوا رسالة الحب والخلاص. فالرسول مدعو أن يحمل نور المسيح حتى إلى الذين يرفضونه، وأن يصلي من أجل الذين يضطهدونه، لأن قلب المسيح يتسع للجميع، والخلاص هو عطية لكل إنسان.
ولهذا يقول الرب:
"ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب".
الحمل هنا ليس علامة ضعف، بل صورة المسيح نفسه، حمل الله الذي بذل ذاته من أجل حياة العالم. فالتلميذ ينتصر لا بالقوة البشرية، بل بالوداعة والمحبة والثبات.
وقد عاش الشهداء هذه الحقيقة، فكانوا لا يرون في الاضطهاد نهاية، بل فرصة للشهادة. يقول القديس إغناطيوس الأنطاكي في طريقه إلى الاستشهاد: «دعوني أكون طعامًا للوحوش، لكي أصل إلى الله»، لأن محبته للمسيح كانت أقوى من الخوف والموت.
-ثانيًا: حكمة الإيمان ونقاوة القلب.
دعوة يسوع:
"كونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام"
هي دعوة إلى أن يجمع التلميذ بين الحكمة والنقاوة، بين العقل المستنير والقلب الممتلئ من روح الله.
فالحكمة المسيحية ليست مكرًا أو خداعًا، بل قدرة على التمييز ومعرفة طريق الله. والحمامة تذكرنا بعمل الروح القدس الذي يقود الإنسان إلى السلام والحق والنقاوة.
فالمؤمن مدعو أن يضع عقله ومواهبه ومعرفته في خدمة الله، لكن العقل وحده لا يكفي للوصول إلى الله، لأن الإيمان ليس فكرة فقط، بل علاقة حيّة مع الرب.
وكما قال القديس أوغسطينوس:
"لا تدخل إلى الحقيقة إلا بالمحبة"، لأن معرفة الله ليست مجرد معرفة عقلية، بل حياة يملؤها الحب.
فالروح القدس هو الذي يفتح القلب لفهم كلمة الله، ويعطي المؤمن قوة الشهادة في الأوقات الصعبة. وقد علّم البابا بندكتس السادس عشر أن الإيمان ليس ضد العقل، بل هو لقاء بين عقل الإنسان ونور الله، حيث يجد الإنسان المعنى الحقيقي لحياته.
-ثالثًا: الثبات في الشهادة والرجاء وسط التجارب.
يقول يسوع:
"ستُساقون إلى الحكام والملوك من أجلي شهادة لهم وللأمم"
فالاضطهاد، رغم ألمه، يمكن أن يتحول إلى فرصة للشهادة. فالله لا يريد عذاب الإنسان، لكنه يستطيع أن يحوّل حتى الألم إلى طريق نعمة، كما حوّل صليب المسيح من علامة موت إلى علامة خلاص.
إن اختيار المسيح قد يضع الإنسان أحيانًا أمام مواقف صعبة، حتى داخل بيته ومحيطه. لكن يسوع لا يدعونا إلى رفض العائلة، بل إلى أن يكون هو أساس كل محبة. فحين يكون المسيح في المركز، تصبح المحبة أكثر صدقًا ونقاء.
ويقول الرب:
"ويبغضكم جميع الناس من أجل اسمي، والذي يثبت إلى النهاية يخلص".
فالتلميذ يعيش أحيانًا عكس منطق العالم: العالم يبحث عن القوة، والمسيح يعلّم الخدمة؛ العالم يبحث عن المصلحة، والمسيح يدعو إلى العطاء؛ العالم ينظر إلى الظاهر، أما الإنجيل فيكشف كرامة الإنسان أمام الله.
ويقول الرب أيضًا:
"إذا اضطهدوكم في مدينة فاهربوا إلى أخرى".
أي لا تستسلموا أمام الرفض، فرفض مكان لا يعني فشل الرسالة، ورفض إنسان لا يعني نهاية الدعوة. نحن نزرع الكلمة، أما الله فهو الذي ينمّيها في القلوب.
وكما قال البابا فرنسيس: «الكنيسة لا تنمو بالسلطة، بل بجاذبية المحبة والشهادة». فالمسيحي يعلن الإنجيل عندما يجعل حياته نفسها رسالة رحمة وقرب من الآخرين.
في زمن العنصرة، تذكّرنا الكنيسة أن الروح القدس لم يُعطَ لنا لكي نختبئ، بل لكي ننطلق. فالرب الذي أرسل الرسل بالأمس يرسلنا اليوم أيضًا لنكون شهودًا للمسيح في عالمنا.
قد تكون الطريق صعبة، وقد تواجه شهادة الإنجيل رفضًا أو سوء فهم، لكن وعد الرب يبقى ثابتًا:
"أنا معكم كل الأيام".
فلنحمل رسالة المسيح بفرح ورجاء، نحمل الحكمة مع المحبة، والحق مع الرحمة، ونكون شهودًا لنور لا ينطفئ.
فمن يثبت مع المسيح في الصليب، يختبر معه فرح القيامة، ومن يبقى أمينًا للإنجيل حتى النهاية، تصبح حياته شهادة حيّة لمجد الله وخلاص العالم.
الخوري جوني تنوري
من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية