كتّاب المحبّة
إبراهيم، رسول لبنان: حين نزلت القمم إلى الجبل
قبل أن يصبح لبنان أحد أهم معاقل الموارنة في الشرق، وقبل أن يصل يوحنا مارون إلى كفرحي ويؤسس البطريركية المارونية، كانت جباله تعرف بالفعل خطوات رجالٍ جاؤوا إليها حاملين نور الإنجيل وروح الرهبنة.
لم يولد الحضور الماروني في لبنان دفعة واحدة، ولم يبدأ فجأة مع إنشاء الكرسي البطريركي. لقد سبقته عقود طويلة من العمل الرسولي الهادئ، قام بها تلاميذ مدرسة مار مارون، أولئك الرجال الذين حملوا في قلوبهم نار الصحراء ونسك القمم، ثم نزلوا بها إلى القرى والوديان والمدن. وكان إبراهيم القورشي واحدًا من أعظم هؤلاء الرواد. بل يمكن القول إنّه كان من أوائل الرسل الذين عرفهم الجبل اللبناني بعد العصر الروماني.
فإذا كان مار مارون قد قدّس القمة بصلاته، فإنّ إبراهيم حمل تلك الصلاة إلى الناس. وإذا كان المعلّم قد علّم تلاميذه كيف يلتقون بالله في العزلة، فإنّ إبراهيم علّمهم كيف يحملون الله إلى العالم. لهذا لم يكن مجرّد ناسك آخر من نساك القورشية، بل جسرًا بين الحياة النسكية والرسالة، بين الصمت والكلمة، بين الجبل السوري والجبل اللبناني. وقد أُعجب به تيودوريطس القورشي إلى حدّ أنّه خصّه بفصل كامل في كتابه عن النساك، واعتبر أنّ انتقاله من النسك إلى الأسقفية لم يكن خروجًا من دعوته الأولى، بل امتدادًا لها. فيقول عنه: "إنّه لا يجوز أن نهمل ذكر إبراهيم العجيب بحجّة أنّه، بعد حياته النسكية، جمّل الكرسي الأسقفي. بل لهذا السبب نفسه يجب أن نذكره أكثر من غيره، لأنّه مع اضطراره إلى تغيير وظيفته لم يغيّر نمط حياته."
ولد إبراهيم في منطقة القورشية، تلك الأرض التي أنجبت عددًا من كبار النساك في القرن الخامس. وهناك تربّى في مدرسة التقشف التي ازدهرت حول تلاميذ مار مارون. وكان شديد الزهد إلى درجة أنّ جسده نفسه أصبح شاهدًا على قساوة نسكه. فقد أمضى سنوات طويلة في السهر والصوم والوقوف المتواصل حتى فقد القدرة على المشي تمامًا. ولم تكن تلك الممارسات بالنسبة إليه هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لتحرير القلب من كل ما يبعده عن الله.
لكن ما إن استعادت أطرافه شيئًا من قوتها حتى اتخذ قرارًا سيغيّر مسار حياته. قرر أن يترك منسكه. ليس لأنّه تعب من الصلاة. بل لأنّ الصلاة نفسها دعته إلى الرسالة. فشدّ الرحال نحو جبل لبنان. كان لبنان آنذاك لا يزال يحتفظ بجيوب وثنية متفرقة، وكانت بعض مناطقه بعيدة عن التنظيم الكنسي المستقر. ومن بين هذه المناطق برزت أفقا، الشهيرة بمعبدها الوثني القديم وبالطقوس المرتبطة به.
هناك وصل إبراهيم مع عدد من رفاقه. لم يحمل معه جيشًا. ولم يحمل سلطة سياسية. بل استأجر بيتًا متواضعًا وبدأ يصلّي.
في البداية رفضه السكان ونظروا إليه بعين الريبة. لكنّ الرجل الذي جاء ليخدم لا ليحكم، استطاع أن يربح قلوبهم شيئًا فشيئًا. وحين ساعدهم في تحمل أعبائهم المالية والضريبية، اكتشفوا فيه أبًا لا غريبًا.
وهكذا بدأ التحوّل. بُنيت الكنيسة. وتقدّم كثيرون إلى المعمودية. وتحوّل المكان الذي كان رمزًا للوثنية إلى مركزٍ للإيمان المسيحي. غير أنّ أثر إبراهيم لم يتوقف عند تغيير حياة الأفراد، بل امتدّ إلى ذاكرة المكان نفسها. ففي تلك المنطقة كان يجري النهر الشهير الذي عُرف منذ العصور الفينيقية باسم «نهر أدونيس»، نسبةً إلى الأسطورة المرتبطة بالإله أدونيس وعشتروت وما رافقها من طقوس وعبادات وثنية اشتهرت بها أفقا وجوارها. لكنّ نجاح الرسالة المسيحية في المنطقة، وارتباط السكان بشخص إبراهيم القورشي، كانا من العمق بحيث إنّ الذاكرة الشعبية المارونية استبدلت اسم النهر القديم باسم جديد. فأصبح "نهر أدونيس" يُعرف باسم "نهر إبراهيم". ولم يكن هذا التغيير مجرّد تبديل جغرافي في الخرائط، بل كان إعلانًا رمزيًا عن تحوّل حضاري وروحي كامل. فالنهر الذي حمل يومًا اسم أحد أشهر آلهة الميثولوجيا الشرقية القديمة، صار يحمل اسم الراهب الذي جاء إلى الجبل حاملاً الإنجيل.
وما يزال هذا الاسم حيًّا حتى اليوم. فكل من يقف على ضفاف نهر إبراهيم، الممتد بين جبيل وأفقا، يقرأ دون أن يدري صفحةً من تاريخ التحول الديني والثقافي في جبل لبنان؛ صفحةً تروي كيف استطاع ناسك قادم من القورشية أن يترك أثره لا في قلوب الناس فقط، بل حتى في أسماء الأنهار.
لقد نجح إبراهيم حيث فشل كثيرون قبله. فالقديس يوحنا الذهبي الفم نفسه كان قد حاول العمل على مسحنة الجبل اللبناني، دون أن يبلغ النتائج التي حققها تلاميذ مدرسة مار مارون في العقود اللاحقة. وحين أكمل إبراهيم رسالته في لبنان عاد إلى منسكه. غير أنّ الكنيسة لم تسمح له بالبقاء طويلًا في عزلته. فقد استدعته الحاجة إلى الخدمة من جديد، وأُقيم أسقفًا على حاران، المدينة التي وصفها تيودوريطس بأنّها كانت غارقة في الوثنية والانحلال. وهناك تكررت المعجزة نفسها. فالراهب الذي بشّر أفقا صار أسقفًا يبشّر حاران. والناسك الذي هرب من المجد صار مسؤولًا عن مدينة كاملة. ومع ذلك لم يتغيّر. فقد ظلّ يعيش كما كان يعيش قبل الأسقفية.
يخبرنا تيودوريطس أنّ الخبز كان بالنسبة إليه من الكماليات، وكذلك الماء الساخن والفراش والنار. وكان يقضي الليالي في ترتيل المزامير والصلاة، مكتفيًا بالخس والهندباء والكرفس وبعض الفاكهة. لكن الأجمل من نسكه كان محبته. ففي الوقت الذي كان يقسو فيه على نفسه إلى أقصى الحدود، كان يفيض لطفًا على الآخرين. وكان يستقبل الغرباء بنفسه ويخدمهم على المائدة ويهتم بكل احتياجاتهم. لقد كان قاسيًا على جسده. ورحيمًا مع الناس. وهي معادلة نادرة لا تتحقق إلا عند كبار القديسين. ولم يبق تأثيره محصورًا في الشعب. فقد وصلت شهرته إلى البلاط الإمبراطوري نفسه. واشتهى الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني أن يراه بعينيه.
وحين حضر إبراهيم مرتديًا مسحه المصنوع من شعر الماعز، لم ير فيه البلاط رجلًا فقيرًا، بل رأى فيه قديسًا. فتقدّم الأمراء والأميرات لتقبيل يديه والتبرك به. وعندما توفي، أراد الإمبراطور أن يدفنه بين كبار القديسين، لكنه تراجع أمام حق شعبه فيه. فسار بنفسه في مقدمة موكب الجنازة. وتبعته الأميرات، والموظفون، والعسكريون، والعامة. وكانت المدن تخرج لاستقباله كما تستقبل الملوك. أما الناس فكانوا يتدافعون ليلمسوا نعشه طلبًا للبركة الأخيرة.
وهكذا انتهت حياة إبراهيم. لكنّ الرسالة التي حملها لم تنته. فهذا الراهب القادم من القورشية لم يكن مجرد قديس آخر في سجل النساك. لقد كان أحد الرجال الذين مهّدوا الطريق لولادة لبنان المسيحي.
وأحد أولئك الذين سبقوا البطاركة والمؤسسات والهياكل، فزرعوا في الجبل البذرة التي ستنمو لاحقًا شجرةً مارونية وارفة الظلال. ولهذا، حين نتذكر إبراهيم اليوم، لا نتذكر فقط أسقفًا أو ناسكًا. بل نتذكر رسولًا. رسولًا حمل القمة إلى الجبل. وحمل صلاة مار مارون إلى لبنان.
الخوري ميخائيل قنبر
دراسات عليا في العلوم الدينية