كتّاب المحبّة
الأحد الثامن من زمن العنصرة: "هوذا عبدي… وعلى اسمه سترجو الأمم"
في زمنٍ يتسابق فيه الناس إلى القوة، والنجاح، وإثبات الذات، تكشف لنا كلمة الله وجهًا مختلفًا للمسيح. فهو لا يأتي ليُخضع الآخرين، بل ليحررهم؛ لا يفرض نفسه بالقوة، بل يجذب القلوب بالمحبة؛ لا يرفع صوته، بل يرفع الإنسان الساقط. إن المسيح الذي نتأمله اليوم هو العبد الوديع، الممتلئ من الروح القدس، والذي يدعونا إلى أن نحمل صورته في عالم يحتاج إلى الرحمة أكثر مما يحتاج إلى الأحكام.
أولًا: المسيح لا يكسر الإنسان بل يعيده إلى الحياة
يرسم لنا النبي إشعيا صورة مدهشة للمسيح:
"قصبةً مرضوضةً لا يكسر، وفتيلةً خامدةً لا يطفئ"(إش 42: 3).
كم من أشخاص يعيشون اليوم كقصبة مكسورة: عائلات متعبة، شباب فقدوا الرجاء، مرضى، فقراء، أشخاص أثقلتهم الخطيئة أو الفشل. والرب لا يبتعد عنهم، بل يقترب منهم بحنان، ويعيد إليهم الكرامة.
ويقول القديس أفرام السرياني: "لم يأتِ الطبيب السماوي ليوبّخ الجريح، بل ليشفيه."
هذه هي رسالة الكنيسة أيضًا. فكل رعية، وكل عائلة، وكل مؤمن مدعو لأن يكون مكانًا يجد فيه الإنسان قبولًا ورحمة، لا إدانة ورفضًا.
ثانيًا: قوة المسيحي هي الوداعة.
يخبرنا الإنجيل أن الفريسيين قرروا قتل يسوع، لكنه لم يواجه الكراهية بكراهية، بل تابع رسالته في صنع الخير وشفاء المرضى.
إن العالم يقيس القوة بالسلطة والنفوذ، أما المسيح فيقيسها بالمحبة والخدمة.
ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "لا شيء أقوى من الإنسان الوديع، لأنه ينتصر على الشر دون أن يصير شريكًا فيه."
وهذا ما جسده أيضًا القديس شربل مخلوف، الذي لم يغيّر العالم بالخطب ولا بالمظاهر، بل بالصلاة والصمت والقداسة. لقد أصبحت حياته نورًا لأن الله كان حاضرًا فيها أكثر من حضور ذاته.
إن الوداعة ليست ضعفًا، بل ثمرة الروح القدس وقوة داخلية تجعل الإنسان قادرًا على الغفران والصبر وخدمة الآخرين.
ثالثًا: الروح القدس يجعلنا شهودًا للرجاء.
يعلن القديس بولس: "لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع"(روم 8: 1).
إن المسيحية ليست مجرد مجموعة وصايا، بل حياة جديدة يمنحها الروح القدس. فالله لا يكتفي بأن يغفر خطايانا، بل يريد أن يغيّر قلوبنا ويجعلنا أبناءً يعيشون بحسب الروح لا بحسب الأنانية.
ويقول القديس يوحنا بولس الثاني: "لا تخافوا أن تفتحوا أبوابكم للمسيح." وعندما يفتح الإنسان قلبه للمسيح، يصبح هو أيضًا نورًا للآخرين، كما يقول إشعيا:
"وأجعلك نورًا للأمم"(إش 42: 6).
وهذه هي رسالة كل واحد منا: أن نحمل الرجاء حيث يسود اليأس، والمصالحة حيث تنقسم القلوب، والسلام حيث ينتشر العنف.
يدعونا الرب في هذا الأحد إلى أن نسأل أنفسنا:
* هل أنا سبب رجاء للآخرين أم سبب يأس؟
* هل أرفع الإنسان الضعيف أم أزيد من انكساره؟
* هل أعيش بحسب الروح القدس أم بحسب أنانيتي؟
فلنطلب بشفاعة العذراء مريم أن يهبنا الرب قلبًا يشبه قلب المسيح، فلا نكسر قصبةً مرضوضة، ولا نطفئ فتيلةً خامدة، بل نصير أدوات سلام ورحمة، لكي يرى الناس في حياتنا وجه المسيح الوديع، "وعلى اسمه سترجو الأمم".
الخوري جوني تنوري
من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية