كتّاب المحبّة
المطران طربيه: زيارةٌ رعوية وإنسانية إلى جنوب لبنان ورسالةُ رجاءٍ من قلب المعاناة
"قد يبدو ما نقوم به مجرّد قطرةٍ في بحر، ولكن لولا تلك القطرة، لكان البحر أقلّ ممّا هو عليه"- القدّيسة تريزا دي كالكوتا
لطالما رافقتني هذه المقولة للقدّيسة تريزا دي كالكوتا في مسيرتي وتأمّلتُ في عمق معانيها الانسانية والروحية إذ تختزن على بساطتها، حقيقةً مسيحية عميقة؛ ما يُقدَّم بمحبةٍ لا يُقاس بحجمه، بل بالأثر الذي يتركه في حياة الآخرين وفي تدبير الله. وكثيرًا ما تبدو احتياجات عالمنا أكبر من طاقاتنا، حتى يخالجنا الشعور بأن ما نبذله قد لا يكون كافياً لإحداث تغيير. غير أنّ الإيمان يعلّمنا أن عمل الرحمة لا يضيع عند الله، وأن كل قلب سخيّ يشارك في بناء ملكوته، وأن كلَّ يد تمتدّ لمساندة المتألّمين تصبح أداةً تُظهر حضور المسيح الحيّ في العالم.
خلال زيارتي الرعوية إلى لبنان، تشرفتُ بمرافقة السفير البابوي لدى لبنان صاحب السيادة المطران باولو بورجيا، وأمين سرّ السفارة البابوية الأب جوزيف فرانكوني، إلى جانب أصحاب السيادة المطارنة شربل عبد الله وسيمون فضّول وجورج بقعوني، ورئيس رابطة كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، ومديرة المؤسسة البطريركية العالمية السيدة باتريسيا صفير، في زيارة رعوية وإنسانية إلى قرى الجنوب اللبناني. ومنذ ساعات الصباح الأولى وحتى المساء، تنقّلنا بين هذه القرى، نلتقي أبناءها، ونشدّد أزر العائلات، ونشارك الجماعات المحلية صمودها، ونعاين عن قرب ثمرةً حيّة من ثمار الرحمة التي تتجسّد حين تلتقي المحبة بالإيمان.
وفي إطار هذه المبادرة، جرى توزيع خمسة وعشرين شاحنة محمّلة بالمواد الغذائية والمستلزمات الأساسية والألعاب على العائلات الأكثر حاجة في مختلف أنحاء المنطقة. وإنني أرفع الشكر أولًا إلى الله، ثم أعرب عن بالغ امتناني للمؤمنين في الأبرشية المارونية في أستراليا، الذين أسهم سخاؤهم في تأمين ثلاثٍ من هذه الشاحنات. وقد أثمر هذا الجهد الإنساني المبارك تعاونًا مثمرًا بين المؤسسة البطريركية العالمية وكاريتاس لبنان، وعددٍ من المؤسسات الخيرية التي وحدتها الرغبة الصادقة في خدمة الإنسان وصون كرامته.
وقد شملت زيارتنا بلدات دبل وعين إبل ورميش، وهي بلدات مسيحية حملت على مدى الأشهر الماضية أعباء جسيمة جراء الحرب الأخيرة على أرضنا. التقينا بالعائلات، واطّلعنا على أعمال ترميم أحد المستشفيات القديمة، كما جمعنا لقاءٌ أخوي بكهنة الرعايا والمؤمنين. وفي كل محطة من محطات الزيارة، لمسنا إيمانًا حيًّا لا تنال منه الشدائد، ورجاءً متجذّرًا في قلوب أناسٍ ما زالوا يواجهون تحديات الحياة اليومية بثباتٍ وثقةٍ بعناية الله.
غير أنّ ما شاهدناه من آثار الدمار يفوق الوصف. فقد أُبيدت قرى بأكملها، وفي بعض المواقع لم يبقَ منزل واحد صالح للسكن. وتحمل الكنائس والمدارس ومنازل العائلات جراح الحرب وآثارها القاسية، ولا تزال جماعات مسيحية كثيرة تعيش في عزلة، ويكتنف مستقبلها كثيرٌ من الغموض، لكنها، رغم كل شيء، متمسكة بأرض الآباء والأجداد، ومتشبثة بجذورها، رافضةً أن تتخلّى عن حضورها التاريخي في الأرض التي نشأت فيها وأدّت رسالتها عبر الأجيال. ومع ذلك، فإن الرجاء لم يغب، بل ظلّ يطلّ بهدوء وسط مشاهد الدمار، شاهدًا على أن نور الله لا تُطفئه قسوة المحن.
ومن أكثر اللحظات تأثيرًا في تلك الزيارة كان توزيع الألعاب وكرات القدم وأعلام كأس العالم على الأطفال. فما إن تسلّموها حتى تبدّلت ملامح وجوههم، وعادت الابتسامة البريئة ترتسم من جديد. وسرعان ما امتلأت الشوارع، التي أثقلتها أصداء الحرب، بضحكات الأطفال وهم يلعبون معًا حتى ساعات المساء. وكان في ذلك مشهدٌ بالغ الدلالة، يذكّرنا بأن مبادرات الخير، مهما بدت بسيطة، قادرة، بنعمة الله، على أن تفتح نافذة رجاء في القلوب التي أثقلها الألم، وأن تعيد إلى الإنسان بعضاً من الطمأنينة التي سلبتها قسوة الأيام.
وقد أعادت إليّ هذه الخبرة حقيقةً أساسية في صميم الإيمان المسيحي، وهي أن أعمال الرحمة ليست مجرّد مبادرات إنسانية أو أعمال إحسان، بل هي قبل كل شيء لقاءٌ بالمسيح نفسه، الحاضر في وجه كل إنسان متألّم ومحتاج. فعندما نطعم الجائع أو نواسي الحزين أو نمدّ يد العون إلى من قست الحياة عليهم، فإننا نجسّد رحمة الإنجيل في أعمالنا التي تشهد لمحبة الله. وهكذا نؤكد لكل من يرزح تحت وطأة الألم أنه ليس متروكًا لمصيره، ولا منسيًّا، بل إن الكنيسة تسير معه، وتحمله في صلاتها، وتحيطه بعنايتها، وتشاركه رجاءها الذي لا يخيب.
وربما لن يلتقي المؤمنون في أستراليا يومًا بالعائلات التي امتدّت إليها أياديهم السخية، وقد لا يعرفون أسماء الأطفال الذين غمرت الفرحة قلوبهم بلعبة بسيطة، أو الآباء والأمهات الذين وجدوا في ما وصلهم من غذاء ومستلزمات أساسية فسحة راحة وسط ضيقهم، غير أن المحبة الحقيقية لا تنتظر عرفانًا ولا تسعى إلى تقدير، لأنها تستمدّ معناها من العطاء ذاته. وما يُقدَّم بمحبة صادقة يثمر في أوانه، ولو بقي أثره خفيًّا عن أعين البشر، إذ إن الله وحده يعرف كيف يحوّل أبسط أعمال الخير إلى بركات تمتدّ آثارها إلى ما هو أبعد مما نتصوّر.
لقد أنعم الله علينا في أستراليا بخيراتٍ وافرة، غير أن النعمة ليست امتيازًا نحتفظ به لأنفسنا، بل أمانةً نستثمرها في خدمة الآخرين. ومن هذا المنطلق، تترتب علينا مسؤولية إنجيلية تجاه كل من يتألّم، ولا سيما إخوتنا وأخواتنا في لبنان. صحيح أننا لا نستطيع أن نزيل كل معاناة، ولا أن نجد حلًّا لكل أزمة، لكننا نستطيع دائمًا أن نقوم بما يمليه علينا الضمير المسيحي، وأن نكون علامة رجاء حيث يخيّم اليأس وتعزية حيث يشتد الألم.
وقد لخّصت قديسة أستراليا، القديسة ماري ماكيلوب، هذا الواجب المسيحي بكلماتٍ لا تزال تتردد في وجدان الكنيسة، "لا تمرّ أمام حاجةٍ من دون أن تفعل شيئًا حيالها" وما تزال هذه الدعوة تحتفظ بأهميتها اليوم، لأن احتياجات لبنان لا تزال كبيرة وملحّة. ومن هنا، فإن التزامنا لا ينبغي أن يقتصر على مبادرة إنسانية عابرة، بل أن يتجدد باستمرار، في وقوفنا إلى جانب شعبنا، ودعم كل مشروع يخفف المعاناة، ويصون الكرامة الإنسانية، ويعيد بناء الرجاء في النفوس.
فكل عمل رحمة، مهما بدا متواضعًا في أعين الناس، يدخل في تدبير الله الخلاصي، ويصبح لبنةً في بناء حضارة المحبة التي دعا إليها الإنجيل. وما نقدّمه اليوم، ولو كان يسيرًا، قد يكون بالنسبة إلى إنسانٍ آخر بداية عزاء أو سببًا لثبات، أو بارقة أمل تعينه على مواصلة الطريق. وهكذا، كما قالت القديسة تريزا، تصبح كل قطرة جزءًا من بحر الرحمة الذي لا ينضب، والذي يفيض الله به على العالم من خلال القلوب المؤمنة.
لذلك، أدعوكم إلى مواصلة الصلاة من أجل لبنان، لكي يمنّ الله عليه بسلامٍ عادلٍ وثابت، ويهيّئ للمهجّرين سبل العودة الآمنة إلى منازلهم، ويقوي مؤسسات الدولة اللبنانية لتبسط سلطتها الكاملة على جميع أراضيها، فينعم كل مواطن بالأمن والحرية والكرامة.
ولتظلّ سيدة لبنان تبسط حمايتها الوالدية على أبنائها، وتشفع في وطننا الحبيب، ليبقى ثابتًا في رسالته، أمينًا لإرثه، ورجاءً لأبنائه. ولنبقَ على يقين بأن الرب لا يصرف نظره عما يُقدَّم باسمه؛ فما يبدو في نظر البشر عملًا بسيطًا، يجعله الله سببًا لتعزية قلب أو إحياء رجاء أو تثبيت إيمان. فلئلّا نقلّل يومًا من شأن عمل رحمةٍ واحد، لأن البحر، حقًا، كان سيغدو أقلّ لولا تلك القطرة الواحدة.
المطران أنطوان-شربل طربيه
راعي الأبرشية المارونية في أستراليا ونيوزيلندا وأوقيانيا