كتّاب المحبّة

على خُطى الحويّك: "حين قَرعتُ باب التاريخ"

على خُطى الحويّك: "حين قَرعتُ باب التاريخ"

لا يشيخ التاريخ. الذين يشيخون هم الذين يكتفون بالنظر إليه من بعيد. أما الذين يجرؤون على قرع أبوابه، فيكتشفون أنه ما زال حيًّا، وأن وراء كل باب رجلًا ينتظر من يُصغي إليه.

منذ سنوات، وأنا أقلب الوثائق الصفراء التي غلب عليها لون الزمن. كنت أظنّ أنّني أبحث عن أحداثٍ مضت، حتى أدركت، بعد رحلة طويلة بين المخطوطات والأرشيفات، أنّ الوثيقة ليست سوى باب، وأنّ وراء الباب إنسانًا من لحمٍ ودم، أحبّ، وصلّى، وتألّم، وصنع التاريخ.

ولمّا اقتربت الكنيسة من الاحتفاء بتطويب البطريرك المكرّم البطريرك الياس الحويّك، شعرت أنّ العودة إليه ليست ترفًا ثقافيًا، ولا مجرّد وفاءٍ لذاكرة رجلٍ عظيم، بل حاجةٌ ملحّة إلى لقاء ضميرٍ ما زال ينبض في وجدان الكنيسة والوطن.

أغمضتُ عينيّ. وتركتُ الزمن يحملني إلى بكركي. وقفتُ أمام باب الصرح البطريركي، وطرقتُ الباب. لم يكن بابًا من خشبٍ وحجر، بل باب قرنٍ كامل من تاريخ الموارنة ولبنان. دخلتُ، فإذا برائحة البخور تعبق في المكان، كأنّ الصلوات التي ارتفعت فيه لم تغادر جدرانه بعد. وكانت السكينة تملأ الردهات كما يملأ الفجر قمم الأرز. هناك، في مجلسٍ بسيط، جلس الشيخ الذي حمل على كتفيه أثقال الكنيسة، وحمل في قلبه حلم وطن.

تقدّمتُ نحوه. ولثمتُ يده. رفع إليّ نظره، وابتسم. كانت ابتسامةً هادئة، لكنها تحمل طمأنينة الرجال الذين تصالحوا مع الله، فلم يعودوا يخشون أحكام التاريخ. جلستُ في حضرته، وأردتُ أن أبدأ الحديث، لكن الكلمات خانتني.

كيف يتكلّم مؤرّخ أمام رجلٍ أصبح هو نفسه وثيقةً حيّة؟ سبقني هو إلى الكلام، وقال بصوتٍ هادئ:

- ما الذي جاء بك يا بُني؟

قلت:

- جئتُ أبحث عن تاريخكم.

فهزّ رأسه مبتسمًا، وقال:

- إذا اكتفيتَ بالتاريخ، فلن تجدني. ابحث عن الإنسان أولًا.

عندها فهمت.

التاريخ لا تصنعه التواريخ. يصنعه الرجال. والوثائق لا تمنح الحياة للماضي، بل الحياة هي التي تجعل الوثيقة جديرةً بأن تُحفَظ. خرجتُ من مجلسه وأنا أحمل سؤالًا واحدًا: كيف استطاع هذا الرجل أن يبقى حاضرًا في ضمير الكنيسة، بعد أكثر من قرن، حتى استحقّ أن تسير به الكنيسة على طريق التطويب؟

ذلك هو السؤال الذي سيدفعنا، في هذه السلسلة، إلى العودة معه إلى حلتا، ثم إلى غزير، وروما، ومصر، وبكركي، وفرساي، ومؤتمر الصلح، وسنوات المجاعة، وكلّ المحطات التي صاغت شخصيته ورسالته.

لن نفتّش عن البطريرك الحويّك في صفحات الكتب فحسب. بل سنحاول أن نلقاه في مواقفه. في صلاته. في دموعه. في عناده حين كان الحقّ على المحك. وفي محبته التي اتّسعت لكنيسته، ولم تضق بوطنه، ولا بالعالم. ولعلّ أجمل ما يمكن أن نهديه إلى رجلٍ تستعد الكنيسة لتكريمه، ليس أن نعدّد إنجازاته، بل أن نجعل أبناء هذا الزمن يكتشفون أنّ القداسة ليست خروجًا من التاريخ، بل أجمل طريقة لصنعه.

فلنبدأ الرحلة...


الخوري ميخائيل قنبر

دراسات عليا في العلوم الدينية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم