كتّاب المحبّة

على خُطى الحويّك: "الطفل الذي وُلِد مع الفجر"

على خُطى الحويّك: "الطفل الذي وُلِد مع الفجر"

ليست كلّ الولادات سواء. فمن الأطفال من يولد في بيتٍ صغير، ثم يكبر ليملأ العالم. ومنهم من يولد في الزمن المناسب، لكنّ قليلين هم الذين يولدون في اللحظة التي يكون التاريخ نفسه في انتظارهم.

كان كانون الأوّل من سنة 1843 يلفّ جبال لبنان بردائه الأبيض. الريح تعبر بين السنديان والبلّوط، وحقول حلتا البترونية تستعدّ لشتاء جديد. وفي بيت الكاهن الخوري بطرس بن عبّود الحويّك، كانت الحياة تستعدّ لأن تمنح الكنيسة واحدًا من أعظم بطاركتها.

قبل أن يطلع الفجر، نهض الخوري بطرس كعادته. ارتدى جبّته الكهنوتية، واستعدّ للتوجّه إلى الكنيسة، حيث ينتظره أبناء البلدة ليبدأوا نهارهم بالقداس قبل أن يحملوا معاولهم إلى الحقول. كان البرد قارسًا. وحين فتح باب منزله، لامس الصقيع وجهه، فعاد خطوة إلى الوراء.

في تلك اللحظة، سمع زوجته غرّة، وقد اشتدّ عليها المخاض. نظر إليها بعين الزوج المحبّ، والكاهن المؤمن. طمأنها، واستدعى الداية، ثم أكمل طريقه إلى الكنيسة.

قد تبدو هذه الحادثة عاديّة. لكنها ليست كذلك. فالخوري بطرس لم يهرب من مسؤوليته تجاه بيته، ولم يتخلَّ عن مسؤوليته تجاه رعيته. كان يعرف أنّ الذي يدعو الإنسان إلى الرسالة، لا يترك بيته بلا عناية.

دخل الكنيسة. رفع القربان. وكان قلبه معلّقًا بين المذبح والبيت. وبينما كانت الصلاة ترتفع إلى السماء، ارتفع من البيت المجاور صوت بكاء طفلٍ جديد. امتزج صوت الولادة بصلاة الإفخارستيا. وكأنّ الله أراد أن يربط، منذ اللحظة الأولى، بين حياة هذا الطفل وسرّ المذبح.

ذلك الطفل دُعي: الياس.

ولم يكن أحدٌ في تلك القرية الهادئة يعلم أنّ هذا الطفل سيكبر يومًا، ليحمل على كتفيه كنيسةً بأكملها، ويقود شعبًا في أصعب سنوات تاريخه، ويكتب اسمه في سجلّ الآباء المؤسسين للبنان الكبير. غير أنّ التاريخ، حين ينظر إلى العظماء، كثيرًا ما يقع في خطأ شائع.

إنه يظنّ أنّهم وُلدوا عظماء. والحقيقة غير ذلك. فالعظمة لا يهبها الميلاد. بل تصنعها التربية، والصلاة، والعلم، والانضباط، والوفاء اليومي للدعوة. ولذلك، فإنّ أهمّ ما نتعلّمه من طفولة الحويّك، ليس أنّه أصبح بطريركًا. بل أنّه تربّى في بيتٍ كان الإنجيل فيه يُعاش قبل أن يُقرأ. كان أبوه كاهنًا. لكنّ الكهنوت لم يكن لقبًا في البيت، بل أسلوب حياة. وكانت أمّه امرأة إيمان، تعلّمت أن تلد أبناءها بالرجاء قبل أن تلدهم بالألم.

هكذا تبدأ قصص الرجال الكبار. لا في قصور الحكم. ولا في قاعات السياسة. بل في البيوت التي تعلّم أبناءها أن يكون الله أوّل الحاضرين في صباحاتهم. 

ولعلّ لبنان اليوم، وهو يبحث عن رجالٍ يعيدون إليه وجهه الحقيقي، لا يحتاج أوّلًا إلى زعماء جدد، بقدر ما يحتاج إلى بيوتٍ جديدة، تُخرِج رجالًا ونساءً على مثال ذلك الطفل الذي وُلِد مع الفجر، ولم يكن أحد يعلم أنّ الفجر الذي أشرق يوم مولده سيظلّ يضيء صفحاتٍ طويلة من تاريخ الكنيسة والوطن.


الخوري ميخائيل قنبر

دراسات عليا في العلوم الدينية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم