كتّاب المحبّة
على خُطى الحويّك: "إكليريكية غزير... حيث تُصنع القامات"
للجبل مدارس. لكن ليست كلُّ المدارس تشبه الجبل. هناك مدارسٌ تُخرِّج طلابًا، وأخرى تُخرِّج موظفين، وثالثة تمنح شهاداتٍ تُعلَّق على الجدران.
أما المدرسة الإكليريكية... فلم تكن تُخرِّج رجالًا يعرفون كيف يعيشون فقط، بل رجالًا يعرفون لماذا يعيشون. كلما اقتربتُ من أبوابها الحجرية، شعرتُ أنني لا أدخل مدرسة، بل ديرًا تتلمذ فيه الزمن. كانت الريح تعبث بأغصان السنديان، فيما بقيت جدرانها، على الرغم من السنين، تحفظ همسات الذين مرّوا من هنا.
كم من بطريرك جلس على هذه المقاعد؟ وكم من أسقف انحنى على هذه الطاولات؟ وكم من كاهن حمل من هذا المكان زوادة العمر كلّه؟
هنا لا تُقاس السنوات بما يمضي من الوقت، بل بما يتكوّن في النفس. دخل الفتى الياس الحويّك هذه المدرسة يحمل ذكاءً فطريًا، وبيتًا امتلأ بالإيمان، لكن المدرسة الإكليريكية ستمنحه ما هو أبعد من العلم. ستعلّمه أن المعرفة عبادة. وأن اللغة مسؤولية. وأن الثقافة ليست زينةً للعقل، بل خدمةٌ للإنسان.
وفي قاعاتها، تعلّم العربية كما يتعلّم العاشق لغة محبوبته. وتشرّب السريانية، لغة الصلاة والليتورجيا. ثم مضى يفتح نوافذه على اللاتينية والفرنسية واليونانية، لا ليزداد علمًا فحسب، بل ليزداد قدرةً على مخاطبة العالم.
ولعلّ أجمل ما في مدارس الأمس أنها لم تكن تسأل التلميذ: ماذا تريد أن تصبح؟ بل كانت تسأله: أيُّ إنسان تريد أن تكون؟ ذلك هو الفرق. فالوظائف يصنعها الزمن. أما الإنسان، فلا يصنعه إلا مربٍّ يؤمن برسالته. ولذلك، حين أرسله البطريرك بولس مسعد إلى روما سنة 1866، لم يكن يرسل طالبًا متفوّقًا فحسب. كان يرسل مشروع بطريرك.
وهناك، في المدينة الخالدة، تابع الحويّك دراساته في مدرسة البروباغندا، فنهل من اللاهوت، وتعمّق في اللغات القديمة، ونال شهادة الملفنة بامتياز. لكن روما لم تمنحه شهادته الكبرى. شهادته الكبرى كانت أنه تعلّم كيف تكون الكنيسة جامعةً، وكيف يلتقي الشرق والغرب في قلبٍ واحد.
وحين عاد إلى لبنان، لم يعد كما ذهب. عاد رجلًا يحمل في عقله علمًا، وفي قلبه رؤية. ولذلك، عندما أُرسل بعد سنوات ليعيد فتح المدرسة المارونية في روما، لم يكن الأمر مجرد مهمة إدارية. لقد كان وفاءً للتلميذ تجاه المدرسة التي صنعت منه رجلًا.
هكذا يولد الكبار. لا من المصادفات. بل من لقاء بيتٍ صالح، ومدرسةٍ عظيمة، وأساتذةٍ آمنوا بأن بناء الإنسان أهم من بناء الحجر.
واليوم... حين نتساءل لماذا يندر الرجال الكبار، ربما يجدر بنا أن نسأل أولًا: هل ما زالت عندنا مدارس تصنع القامات، أم اكتفينا بمدارس تصنع الشهادات؟
إن أعظم ما ورثناه من الإكليريكية في غزير ليس مبانيها، ولا مخطوطاتها، بل إيمانها بأن التربية هي أول أعمال النهضة، وأن مستقبل الكنيسة يبدأ دائمًا من مقعدٍ خشبي يجلس عليه فتى، يحمل كتابًا صغيرًا... وقلبًا مفتوحًا على دعوة الله.
الخوري ميخائيل قنبر
دراسات عليا في العلوم الدينية