كتّاب المحبّة

"اليوم تمّ هذا المكتوب": زمن النعمة والقداسة

"اليوم تمّ هذا المكتوب": زمن النعمة والقداسة

-أولًا: اليوم هو زمن الله… فلا تؤجّل التوبة.

تجمع قراءات هذا الأحد ثلاث كلمات ترسم مسيرة المؤمن: الانتظار، والمصالحة، والتحقيق. فإشعيا يصرخ: «ليتك تشق السماوات وتنزل»، والقديس بولس يناشدنا: «تصالحوا مع الله»، أمّا يسوع فيعلن في مجمع الناصرة: «اليوم تمّ هذا المكتوب الذي سمعتموه».

كثيرًا ما ننتظر أن تتغيّر ظروف حياتنا لنعود إلى الله، لكن الإنجيل يذكّرنا بأن الله لا ينتظر الغد، بل يزورنا اليوم. فكل يوم هو فرصة جديدة للتوبة، والغفران، والبداية من جديد. والله، الذي خلقنا كالخزّاف الذي يشكّل الطين، لا ييأس من ضعفنا، بل يعيد تشكيل حياتنا متى سلّمناه ذواتنا بثقة.


-ثانيًا: مار شربل… إنجيل «اليوم» الذي ما زال حيًّا.

ونحن نحتفل بعيد القديس مار شربل، نرى في حياته ترجمةً حيّةً لهذا الإنجيل. فلم يكن ناسك عنايا واعظًا بكثرة الكلام، بل إنسانًا عاش كلمة الله حتى أصبحت حياته كلّها بشارة. ترك العالم ليكون لله وحده، فجعله الله رسولًا إلى العالم بأسره.

إن حبة الحنطة التي تحدّث عنها الرب: «إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت، تبقَ وحدها؛ ولكن إن ماتت، أتت بثمر كثير» (يو 12: 24)، قد تحققت في حياة مار شربل. فقد مات عن ذاته بالصلاة والطاعة والصمت، فأثمر قداسةً لا تزال تنبت في كل القارات. واليوم يحمل المؤمنون من مختلف الشعوب اسمه، ويتوافدون إلى عنايا، أو يرفعون صلواتهم بشفاعته، لأن الله يواصل، من خلاله، صنع العجائب الجسدية والروحية، ويمنح الرجاء للمرضى والمتألّمين والباحثين عنه.

ولذلك حملت زيارة قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى ضريح مار شربل في عنايا معنىً عميقًا. فلم تكن مجرد زيارة تكريمية، بل شهادةً من الكنيسة الجامعة بأن القداسة التي نبتت في أرض لبنان أصبحت نورًا للعالم كله، وأن رسالة مار شربل، القائمة على الصلاة والتواضع والاتحاد بالمسيح، ما زالت تخاطب إنسان اليوم وتدعوه إلى القداسة.


-ثالثًا: نحن أيضًا مدعوون إلى أن نصبح بذار رجاء.

عندما قال يسوع: «روح الرب عليّ»، أعلن رسالته في تحرير الإنسان وشفائه. واليوم، بالمعمودية والميرون المقدّس، يشركنا في هذه الرسالة. فالكنيسة لا تكتفي بإعلان الإنجيل، بل تجسّده بالمحبة، وخدمة الفقير، ومصالحة المتخاصمين، وزرع الرجاء في القلوب.

وهذا ما تعلّمناه من مار شربل: فالثمار العظيمة تبدأ غالبًا من بذرة صغيرة. قد تكون كلمة تشجيع، أو غفرانًا صادقًا، أو صلاةً خفيّة، أو خدمةً لا يراها أحد. لكن الله يجعل من هذه البذور حصادًا وفيرًا.

فلنصغِ اليوم إلى دعوة الرب: لا تؤجّلوا المصالحة، ولا تؤجّلوا القداسة. ولنطلب بشفاعة القديس مار شربل أن يجعلنا الرب حبّات حنطة تموت عن الأنانية لتثمر محبةً وسلامًا وفرحًا في عائلاتنا، ورعايانا، وكنيستنا، حتى يصبح كل يوم من حياتنا «اليوم» الذي يتمّ فيه إنجيل المسيح. آمين.


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم