كتّاب المحبّة
على خُطى الحويّك: "مصر... حين اكتشف الراعي اتساع القطيع"
ثمة رحلاتٌ تغيّر المكان. وثمة رحلاتٌ تغيّر الإنسان. أما الرحلة التي حملت المطران الياس الحويّك إلى مصر سنة 1894، فلم تغيّر أحدهما فحسب، بل غيّرت نظرته إلى الكنيسة نفسها.
قبل أن يركب السفينة، كان يعرف أن أبناء كنيسته منتشرون في أرض الكنانة. كان يعرف أسماء المدن. ويعرف عدد الكهنة. ويعرف أحوال الرعايا. لكن المعرفة التي تأتي من التقارير، تبقى باردة. أما المعرفة التي تولد من اللقاء، فلها حرارة الوجوه.
ما إن لاحت الإسكندرية من بعيد، حتى بدا له الميناء أشبه بكتابٍ مفتوح. كم من لبنانيّ عبر هذا البحر؟ وكم من أمّ وقفت على شاطئ بيروت تودّع ابنًا، وهي لا تعرف إن كانت ستراه ثانية؟
كان البحر، بالنسبة إلى كثيرين، طريقًا إلى الرزق. لكنه، بالنسبة إلى الحويّك، صار طريقًا إلى الرسالة. لم يأتِ إلى مصر سائحًا. ولا موفدًا يحمل تعليماتٍ إدارية. جاء يبحث عن أبنائه. وكان يعرف أن الغربة ليست فقرًا في المال، بل خوفٌ من أن يذبل الإيمان حين يبتعد الإنسان عن أرضه وكنيسته.
لذلك لم يبدأ بالبناء. بدأ بالإصغاء. كان يجلس إلى الناس أكثر مما يتكلّم. يسألهم عن أولادهم. عن قراهم. عن كنائسهم. عن لهجتهم التي اشتاقوا إلى سماعها. وكان يكتشف، يومًا بعد يوم، أن المهاجر لا يحمل وطنه في حقيبته. بل يحمله في قلبه. وربما لهذا السبب أحبّ الحويّك مصر.
فهو لم يرَ فيها بلدًا غريبًا. بل بيتًا واسعًا فتح ذراعيه لأبناء لبنان. ورأى في المصريين شعبًا كريمًا، احتضن الوافدين، وأفسح لهم مكانًا في اقتصاده وثقافته وصحافته، حتى صار كثير من رواد النهضة العربية من أبناء المهاجرين اللبنانيين.
هناك، في القاهرة والإسكندرية والمنصورة وسائر المدن، أدرك الحويّك أن الكنيسة المارونية لا تنتهي عند حدود جبل لبنان. إنها تمتدّ حيثما يصل أبناؤها. وحيثما يبنون بيتًا. ويعلّقون صليبًا. ويعلّمون أبناءهم صلاة "أبانا".
ومن تلك الرحلة خرج بفكرةٍ سترافقه بقية حياته. لا يكفي أن نزور أبناءنا في الغربة. يجب أن يكون لهم بيت. وراعٍ. وكنيسة. ومدرسة. وشعورٌ دائم بأن بكركي تعرف أسماءهم، وتصلي لأجلهم، وتنتظر عودتهم.
بعد سنوات قليلة، حين أصبح بطريركًا، لم تكن فكرة إنشاء النيابة البطريركية في مصر قرارًا إداريًا عابرًا. كانت ثمرة لقاء. وثمرة محبة. وثمرة تلك الرحلة التي جعلت الراعي يرى قطيعه بعينين جديدتين.
ولعلّ أجمل ما تعلّمه الحويّك في مصر، أنه كلما ابتعد أبناء الكنيسة عن وطنهم، ازداد واجب الكنيسة أن تقترب منهم. وهذا الدرس ما زال حيًّا إلى اليوم. فالانتشار ليس نزيفًا إذا بقيت الروابط حيّة. وليس خسارةً إذا ظلّت الذاكرة متصلة. فالكنيسة التي تعبر البحر إلى أبنائها... تعود دائمًا أكثر غنى، وأكثر أمومة.
الخوري ميخائيل قنبر
دراسات عليا في العلوم الدينية