كتّاب المحبّة

على خُطى الحويّك: "البحر الذي علّم الحويّك"

على خُطى الحويّك: "البحر الذي علّم الحويّك"

ما أكثر الذين عبروا البحر... وما أقلّ الذين غيّرهم البحر. كان المطران الياس الحويّك يقف على ظهر السفينة، فيما كانت أمواج المتوسط تتكسّر بهدوء على جانبيها. لم يكن ينظر إلى الماء، بل إلى ما وراء الماء. كان البحر، بالنسبة إلى كثيرين، مسافةً تفصل بين وطنين. أما بالنسبة إليه، فكان جسرًا يصل بين قلبين.

خلفه كان لبنان... أرزٌ يكلّله الضباب، وقرى تتعلّق بالصخور، وأمهات يودّعن أبناءهنّ بدموع لا يراها أحد. وأمامه كانت مصر... أرضًا فتحت ذراعيها لآلاف اللبنانيين الذين حملوا إليها علمهم، وتعبهم، وأحلامهم، ولهجتهم، وصلواتهم.

كان يعرف أن الهجرة ليست مجرّد انتقال من بلد إلى بلد. إنها اقتلاع. والشجرة المقتلعة، مهما اشتدّ عودها، تحتاج إلى من يسقي جذورها. لهذا لم يكن الحويّك يرى في المغتربين أرقامًا في سجلات الكنيسة. كان يرى وجوهًا. وكان لكل وجه حكاية. أبٌ خرج ليطعم أولاده. وشابٌ حمل حقيبةً صغيرة، وفي قلبه قريةٌ كاملة. وأمٌّ تخبّئ تحت ثيابها مفتاح البيت، لعلّها تعود يومًا.

ولذلك، عندما وصل إلى مصر، لم يبدأ بتفقد الأبنية. بدأ بتفقد القلوب. جلس إلى الناس. استمع أكثر مما تكلّم. كان يسأل عن أسماء القرى قبل أن يسأل عن أسماء الشوارع. وعن الأمهات قبل أن يسأل عن التجارة. وعن الكنيسة قبل أن يسأل عن عدد المؤمنين. كان يعرف أن الراعي الذي لا يعرف أسماء خرافه، لا يستطيع أن يقودها.

شيئًا فشيئًا، اكتشف أن أبناء لبنان لم يتركوا وطنهم وراءهم. لقد حملوه معهم. في لهجتهم. وفي خبزهم. وفي تراتيلهم. وفي دموعهم عندما يسمعون اسم بكركي.

هناك، في أرض الكنانة، ولد في قلب الحويّك اقتناعٌ لن يفارقه أبدًا. الانتشار ليس هامشًا في تاريخ الكنيسة. إنه امتدادها. ولذلك، حين عاد إلى لبنان، لم يعد يحمل ذكريات رحلة. بل عاد يحمل مشروعًا. كان يريد أن يشعر كل ماروني، مهما ابتعد، أن له بيتًا ينتظره، وكنيسةً تعرف اسمه، وبطريركًا يصلّي من أجله.

بعد سنوات، ستتحوّل تلك الرؤية إلى مؤسسات، ورعايا، ونيابة بطريركية، ثم إلى أبرشيةٍ كاملة. لكن الحقيقة أن الأبرشيات لا تبدأ بمرسوم. إنها تبدأ بمحبة. وهذا ما فهمه الحويّك قبل غيره. لقد أدرك أن الكنيسة لا تُقاس بعدد الكنائس التي تبنيها، بل بعدد الأشخاص الذين يشعرون أنهم في بيتهم عندما يدخلونها.

ولعلّ هذا هو الدرس الذي يحتاجه عالمنا اليوم. نحن نبني وسائل تواصل تصل القارات في ثوانٍ، لكننا كثيرًا ما نعجز عن بناء علاقةٍ تصل قلبًا بقلب. أما الحويّك، فقد سبق عصره. لم يربط لبنان بمصر بالسفن وحدها. بل ربطهما بالمحبة. وما تزال المحبة، إلى اليوم، هي أسرع طريق بين وطنين.


الخوري ميخائيل قنبر

دراسات عليا في العلوم الدينية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم