كتّاب المحبّة

تطويب الحويّك... عندما يتكلّم الرجاء في زمن الانهيار...

تطويب الحويّك... عندما يتكلّم الرجاء في زمن الانهيار...

قبل أكثر من قرن، وقف البطريرك الياس الحويّك في قلب العواصف. حمل قضية لبنان إلى العالم، لا طمعًا بسلطة، بل دفاعًا عن شعبٍ كان يموت جوعًا ويبحث عن وطنٍ يحفظ كرامته. يومها بدا حلم لبنان الكبير مغامرةً مستحيلة، لكن الإيمان كان أقوى من الخوف.

واليوم، فيما يعيش لبنان واحدةً من أصعب مراحله، يأتي تطويب الحويّك. فهل هو مجرد تزامنٍ تاريخي؟ أم أن العناية الإلهية تريد أن تقول للبنانيين إن الرجال الذين يصنعون الأوطان لا يموتون، بل يعودون شهودًا في الزمن الذي يحتاج إليهم؟

إن تطويب الحويّك ليس احتفالًا بماضٍ مضى، بل استدعاءٌ لضمير وطن. وكأن الكنيسة ترفع هذا الراعي على المذابح لتذكّرنا أن لبنان لم يولد من صفقة، بل من رسالة؛ ولم يقم على مصالح ضيقة، بل على رؤيةٍ تؤمن بالحرية والعيش المشترك وكرامة الإنسان.

في زمن الانقسامات، يطلّ الحويّك ليقول إن الوطن أكبر من الطوائف. وفي زمن الهجرة، يهمس بأن الأرض التي رويت بدموع الآباء لا يجوز أن تُترك لليأس. وفي زمن انهيار المؤسسات، يذكّرنا بأن بناء الدولة يبدأ ببناء الضمير، وأن القداسة ليست انفصالًا عن الوطن، بل أسمى أشكال خدمته.

لعلّ السماء اختارت هذا التوقيت لتعلن أن لبنان، مهما اشتدت عليه المحن، لم يفقد دعوته. فكما كان الحويّك في مطلع القرن الماضي رجل الرجاء وسط المجاعة والحروب، ها هو اليوم يُقدَّم طوباويًا ليصبح علامة رجاءٍ في زمن الانهيار.

إن تطويب البطريرك الياس الحويّك ليس نهاية قصة رجل عظيم، بل بداية سؤال موجّه إلى كل لبناني: ماذا سنفعل بالإرث الذي تركه؟ هل نكتفي بتكريمه في الاحتفالات، أم نترجم رسالته في بناء دولةٍ عادلة، وإنسانٍ حر، ووطنٍ لا يُباع ولا يُشترى؟

ربما ليس صدفةً أن يُطوَّب الحويّك اليوم. فالرجاء، حين يكاد ينطفئ، يرسل الله من التاريخ قديسين يضيئون المستقبل. وفي لبنان، نحن بأمسّ الحاجة إلى هذا النور.


الخوري طوني بو عساف

دكتور في العلوم التربوية 

من الأبرشية البطريركية - نيابة جونيه


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم