كتّاب المحبّة
على خُطى الحويّك: " حين حمل الحويّك لبنان إلى العالم"
ليست كلّ الحقائب متشابهة. ففي بعضها ثياب المسافرين. وفي بعضها رسائل الأحبّة. أمّا حقيبة البطريرك الياس الحويّك، يوم غادر لبنان متوجّهًا إلى مؤتمر الصلح في فرساي سنة 1919، فلم تكن تحمل متاع رجلٍ مسافر، بل أوجاع وطنٍ كامل.
كم كان الطريق طويلًا بين بكركي وفرساي! لكن المسافة الحقيقية لم تكن بين جبل لبنان وفرنسا. كانت بين شعبٍ يتألّم، وعالمٍ لم يسمع بعد صوته.
خرج الحويّك من الصرح البطريركي، ولم يخرج من رسالته. كان يعلم أنّه لا يمثّل حزبًا، ولا عائلة، ولا فئةً تبحث عن امتياز. كان يحمل قضية وطنٍ يتوق إلى حياة آمنة تحفظ كرامة أبنائه وتتيح لهم أن يبنوا مستقبلهم.
في تلك الأيام، كانت خرائط الشرق تُرسم من جديد. الإمبراطوريات تتداعى. والحدود تُناقَش. والشعوب تنتظر من يتكلّم باسمها. وفي خضمّ ذلك كله، وقف شيخٌ آتٍ من جبل لبنان، لا يحمل جيشًا، ولا يملك ثروة، ولا يستند إلى قوة السلاح. كان سلاحه الوحيد كلمةً آمن بها. وحقيقةً كرّس لها حياته. وكثيرًا ما تختزل كتب التاريخ مؤتمر فرساي في المفاوضات والخرائط والقرارات. لكنها قلّما تتوقّف عند البعد الإنساني.
كم صلاةً رفعها الحويّك قبل أن يتكلّم؟ كم ليلةً سهر وهو يراجع ما سيقوله؟ كم وجهًا من وجوه الجائعين، والأرامل، والأطفال الذين عرفهم في سنوات المجاعة، كان يرافقه وهو يعرض مطالبه؟
إنّ التاريخ لا يُصنع في قاعات المؤتمرات وحدها. بل يبدأ في الضمير. ومن لا يحمل شعبه في قلبه، لا يستطيع أن يحمله في كلماته. ولذلك، لم يكن الحويّك يتحدّث عن أرضٍ مجرّدة. كان يتحدّث عن إنسان. عن الفلّاح الذي ينتظر أن يزرع حقله بسلام. وعن الأمّ التي تريد أن تنام مطمئنّة على مستقبل أولادها. وعن الكاهن الذي يقرع جرس كنيسته بلا خوف. وعن التاجر، والمعلّم، والحرفي، وكلّ من حلم بوطنٍ يحمي كرامته.
لقد اختلف المؤرخون في قراءة كثير من تفاصيل تلك المرحلة، وهذا أمرٌ طبيعي في كلّ حدثٍ مفصلي من تاريخ الأمم.
لكنّهم يجمعون على أنّ البطريرك الحويّك أدّى دورًا محوريًا في الدفاع عن رؤيةٍ للبنان، وسعى بكلّ ما أوتي من حكمةٍ وعلاقاتٍ ودبلوماسية إلى إيصال صوت شعبه إلى المجتمع الدولي.
وهنا تكمن عظمة الرجل. ليس في أنّه ربح كلّ ما أراد. ولا في أنّ التاريخ سار دائمًا كما اشتهى. بل في أنّه لم يتخلَّ عن مسؤوليته عندما كانت المسؤولية أثقل من الاحتمال.
لقد خرج من بكركي بطريركًا. وعاد إليها أبًا لوطنٍ يولد. وما بين الخروج والعودة، لم يتغيّر شيء في قلبه. ظلّ الراعي هو نفسه. يصغي قبل أن يتكلّم. ويصلّي قبل أن يقرّر. ويضع الإنسان قبل السياسة.
ولعلّ هذا هو الدرس الذي يقدّمه الحويّك لكلّ من يتصدّى للشأن العام. فالسياسة، حين تنفصل عن الضمير، تتحوّل إلى صراع مصالح. أمّا حين تنبع من محبة الإنسان، فإنها تصبح شكلًا من أشكال الخدمة.
لهذا، لم يحمل الحويّك لبنان إلى العالم على كتفيه. بل حمله أولًا في قلبه. وما يحمله القلب بصدق... يستطيع التاريخ أن يسمعه.
الخوري ميخائيل قنبر
دراسات عليا في العلوم الدينية