كتّاب المحبّة
على خُطى الحويّك: "عندما يصبح التاريخ قداسة"
ليست القداسة ثوبًا يلبسه الإنسان في آخر عمره. وليست وسامًا تمنحه الكنيسة لعظيمٍ من عظمائها.
القداسة... طريقةٌ في العيش. لهذا، حين نسمع أنّ الكنيسة تستعدّ لتطويب البطريرك الياس الحويّك، قد يتبادر إلى الذهن سؤالٌ بسيط: ماذا فعل هذا الرجل ليستحقّ أن يُرفع إلى المذابح؟
لكن السؤال الأجمل هو: كيف عاش؟ فالله لا يحاسب الإنسان على عظمة ما أنجز، بقدر ما ينظر إلى الأمانة التي عاش بها رسالته.
قرأنا الحويّك طفلًا. ورافقناه طالبًا في غزير وروما. ورأيناه يعبر البحر إلى مصر، يبحث عن أبنائه في أرض الغربة. وشهدناه يقاسم شعبه الجوع في سنوات المجاعة. وسرنا معه إلى مؤتمر الصلح، يحمل في قلبه وطنًا يتوق إلى الحياة.
لكنّ هذه الأحداث، على عظمتها، ليست هي التي صنعت قداسته.
لقد صنعتها الطريقة التي عاش بها تلك الأحداث. كان يستطيع أن يجعل من البطريركية سلطة. فجعلها خدمة. وكان يستطيع أن يجعل من العلم مجدًا شخصيًا. فجعله رسالة. وكان يستطيع أن يجعل من السياسة سلّمًا إلى النفوذ. فجعلها دفاعًا عن الإنسان. وكان يستطيع أن يكتفي بإدارة الكنيسة. لكنه اختار أن يحملها. وهنا يكمن الفرق. فالقديس لا يعيش فوق الناس. بل يحملهم. ربما لهذا السبب أحبّه الناس. ليس لأنه كان معصومًا من الضعف، ولا لأنه لم يعرف التعب، ولا لأنه لم يذق مرارة الخيبة. بل لأنهم كانوا يرون فيه راعيًا. والراعي الحقيقي لا يسير أمام القطيع ليتقدّم عليه. بل ليفتح له الطريق.
اليوم، وبعد أكثر من قرن، تغيّر العالم. تبدّلت الدول. وتغيّرت الحدود. واختلفت التحديات. لكنّ الإنسان ما زال يحتاج إلى النوع نفسه من الرجال.
رجالٍ لا يساومون على ضميرهم. ولا يفرّطون بالحقيقة. ولا ينسون الفقير وهم يجالسون أصحاب القرار. ولا ينسون الصلاة وهم يصنعون التاريخ.
لذلك، حين تطوّب الكنيسة رجلًا، فهي لا تدعونا إلى الإعجاب به. بل إلى الاقتداء به. فالقديس ليس تمثالًا يُزيَّن بالورود. إنه طريق. وطريق الحويّك لم يبدأ يوم صار بطريركًا. بل بدأ يوم قال لله، في صمت قلبه: "ها أنا."
ومنذ ذلك اليوم، ظلّ يكرّر هذه الكلمة في كل محطة من حياته. حين تعلّم... قال: ها أنا. وحين خدم... قال: ها أنا. وحين جاع شعبه... قال: ها أنا. وحين حمل قضية لبنان إلى العالم... قال: ها أنا. وحين أثقلته السنون... ظلّ يقولها. ربما لهذا السبب لم يستطع الزمن أن يطويه.
فالزمن يطوي الأحداث. أما الرجال الذين عاشوا لله وللإنسان، فإنهم يبقون صفحاتٍ مفتوحة في كتاب التاريخ. ولعلّ أجمل ما يمكن أن نقدّمه للبطريرك المكرّم، ونحن نقترب من يوم تطويبه، ليس قصائد المديح، ولا تكرار الإنجازات، بل أن نسأل أنفسنا: من يحتاج اليوم إلى أن يجد فينا شيئًا من شجاعة الحويّك؟ ومن ينتظر أن نحمل عنه شيئًا من ثقل الأيام؟ ومن يفتّش، وسط هذا الضجيج، عن راعٍ يشبه ذلك الشيخ الذي خرج يومًا من بكركي، ولم يحمل معه سوى الإنجيل... والإنسان... ولبنان.
ولذلك، لن أختم هذه الصفحات بوداعه. فالرجال من هذا الطراز لا يُودَّعون. إنهم يتركون لنا الطريق... ثم يدعوننا إلى أن نتابع المسير.
الخوري ميخائيل قنبر
دراسات عليا في العلوم الدينية