كتّاب المحبّة

“الخروج من العمى، والسير في نور الروح”

“الخروج من العمى، والسير في نور الروح”

تضعنا كلمة الله اليوم أمام دعوة بسيطة وعميقة: لا نبقَ حيث نحن، بل نتقدّم مع الله.

فالله لا يريد لنا أن نبقى أسرى الخوف أو الماضي أو قساوة القلب، بل يدعونا إلى أن نخرج من «برّيتنا»، وأن نفتح عيوننا على عمله، وأن نسمح للروح القدس أن يقود حياتنا وكنيستنا نحو أرض الوعد.


أولاً: لا تبقَ في البرية… تقدّم!

يقول الرب لشعبه: «قد أقمتم في هذا الجبل ما فيه الكفاية… ارتحلوا وانطلقوا» (تث 1: 6).

كان الشعب قد خرج من مصر، لكنه لم يدخل بعد إلى أرض الموعد. بقي واقفاً بين الماضي والمستقبل، بين الخوف والثقة. وهذا هو حالنا أحياناً: نعرف أن الله دعانا إلى الأمام، لكننا نخاف أن نخطو الخطوة الجديدة.

قد تكون «البرية» في حياتنا خوفاً، أو جرحاً قديماً، أو عادة لا نستطيع أن نتركها، أو حزناً جعلنا نفقد الرجاء. لكن الله يقول لنا اليوم: لا تجعل من البرية مكان إقامتك. لقد حان وقت المسير.

الإيمان ليس أن نعرف فقط أن الله معنا، بل أن نثق به ونمضي معه، حتى عندما لا نرى الطريق كاملاً.

فلنسأل أنفسنا اليوم:

ما هي البرية التي أعيش فيها؟ وما الذي يمنعني من التقدّم مع الله؟


ثانياً: الروح القدس يوحّدنا بالمحبة.

يقول القديس بولس: «فأنواع المواهب كثيرة، ولكن الروح واحد» (1 كور 12: 4).

الروح القدس يعطي كل واحد منا موهبة، لكن ليس لكي نعيش لأنفسنا، بل لكي نخدم بعضنا بعضاً ونبني الكنيسة. فلا توجد موهبة صغيرة عندما تُعطى بمحبة، ولا توجد موهبة عظيمة إذا تحوّلت إلى سبب للكبرياء والانقسام.

الكنيسة تحتاج إلى الجميع: إلى من يصلّي، ومن يخدم، ومن يعلّم، ومن يواسي، ومن يبني، ومن يتحمّل المسؤولية. وما يجمعنا ليس أننا متشابهون، بل أننا جسد واحد وروح واحد.

وفي هذه الأيام الصعبة التي يعيشها لبنان، تحتاج كنيستنا أكثر من أي وقت مضى إلى أن تكون علامة وحدة ورجاء. لا مكان للحسد أو المنافسة أو الانقسام، بل لكل موهبة تُوضع في خدمة الخير العام، وخدمة الإنسان، وخدمة الإنجيل.

فلنسأل أنفسنا:

هل أستخدم ما أعطاني الله لكي أبني أم لكي أظهر نفسي؟ وهل أكون سبب وحدة أم سبب انقسام؟


ثالثاً: افتح عينيك على عمل الله.

في الإنجيل، يرى الناس معجزة عظيمة: رجل كان أعمى وأخرس يُشفى، لكن بعضهم، بسبب قساوة قلبه، رفض أن يرى عمل الله واتهم يسوع بأنه يعمل بقوة الشر.

هنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليس في أن الله لا يعمل، بل في أننا أحياناً لا نريد أن نرى عمله.

العمى الروحي هو أن نرى النور ونرفضه، وأن نرى الخير ونشكّك فيه، وأن نرى عمل الله ونبحث عن تفسير آخر لأن قلوبنا مغلقة.

لذلك يحذّرنا الرب من التجديف على الروح القدس، أي من القلب الذي يصرّ على رفض النعمة ويرفض أن يفتح نفسه للحقيقة والمغفرة والخلاص.

والعلاج هو أن نقول للرب ببساطة:

يا رب، افتح عينيّ لكي أرى، وافتح قلبي لكي أؤمن، وافتح فمي لكي أشهد لك.


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم