كتّاب المحبّة

القديس يوحنا ماري فياني، خوري آرس وشفيع كهنة العالم

القديس يوحنا ماري فياني، خوري آرس وشفيع كهنة العالم

عندما وصل القديس يوحنا ماري فياني إلى قرية آرس الفرنسية سنة 1818، وجدها تعيش فقرًا روحيًا عميقًا. فقد غلبت على أهلها حياة اللهو والانشغال بأمور العالم، حتى أصبحت الحانات والرقصات الشعبية محور حياتهم، فيما ضعفت الممارسة الدينية وخبت حرارة الإيمان.

وفي وسط هذا الواقع، أرسل الله كاهنًا بسيطًا، نحيل الجسد، متواضع المظهر، لكنه كان متقدًا بمحبة الله والغيرة على خلاص النفوس.

ومنذ الأيام الأولى، بدأ أهل القرية يلاحظون أمرًا غير مألوف. ففي الوقت الذي كان الجميع يغطّون في النوم أو ينشغلون بملذّات الحياة، كان خوري آرس ساجدًا أمام القربان الأقدس، يقضي ساعات الليل في الصلاة والعبادة، باكيًا أمام الرب على خطايا شعبه، ومتشفّعًا من أجل ارتدادهم. لقد أدرك أن تجديد الرعية لا يبدأ بالمشاريع أو الخطط، بل بالركوع أمام الله.

ولم يكتفِ بالصلاة، بل جعل من كرسي الاعتراف منبر رسالته. فكان يمضي فيه ساعات طويلة، بلغت أحيانًا ثماني عشرة ساعة في اليوم، يستقبل الخطأة بمحبة الأب، ويصغي إليهم بصبر، ويقودهم إلى اختبار رحمة الله. لم يكن يوبّخ من بعيد، بل كان يحمل آلام الناس وخطاياهم في قلبه، ويقودهم إلى المصالحة والسلام.

وسرعان ما تجاوز صدى قداسته حدود آرس، فتهافت المؤمنون من مختلف أنحاء فرنسا، ثم من أوروبا بأسرها، طالبين الاعتراف لديه والإرشاد الروحي. حتى إن السلطات خصصت خطًا للسكك الحديدية من مدينة ليون لتسهيل وصول الحشود المتزايدة إلى تلك القرية الصغيرة التي أصبحت مدرسةً للتوبة والقداسة.

ولا تزال آرس، حتى يومنا هذا، مقصدًا لمئات الآلاف من الحجاج الذين يقصدون بازيليكها، ليصلّوا عند ضريح هذا الراعي القديس، ويستلهموا من حياته معنى الصلاة، والرحمة، والأمانة للكهنوت.

لقد لخّص القديس يوحنا ماري فياني سرّ رسالته في عبارة أصبحت دستورًا لكل كاهن، إذ قال:

«الكهنوت هو محبة قلب يسوع.»

ولذلك أعلنته الكنيسة شفيعًا لجميع كهنة العالم، لأنه جسّد في حياته صورة الراعي الصالح الذي يبذل ذاته من أجل الخراف، ويقودها إلى المسيح بالصلاة، والإفخارستيا، وسرّ المصالحة.

وفي عيده، نرفع صلاتنا بحرارة من أجل جميع الكهنة ورعاة الكنيسة، لكي يجدّدهم الرب بنعمة دعوتهم، ويحفظهم أمناء للإنجيل، بعيدين عن روح العالم، وعن كل إغراء بالفساد أو التراخي أو البحث عن المجد الباطل. وليمنحهم نعمة التوبة المتجددة، فتظل قلوبهم نقية، وضمائرهم يقظة، وخدمتهم شهادة صادقة للمسيح.

ونسأله أن يسكب فيهم روح الصلاة والقداسة، وأن يجعلهم، على مثال القديس يوحنا ماري فياني، رجال الإفخارستيا والمصالحة، يحملون إلى العالم حضور الرب يسوع الحي، القائم من بين الأموات، لا بالكلام وحده، بل بقداسة حياتهم، وأمانة خدمتهم، وفرح عطائهم.

وليكنوا علامات رجاء لشعب الله، متكلين كل الاتكال على نعمة الرب، وواثقين كل الثقة بمحبة قلب يسوع الأقدس، يستمدون منه القوة في الضعف، والثبات في التجارب، والرحمة في خدمتهم، فيقودوا النفوس إلى اللقاء بالمسيح، ينبوع الحياة والخلاص.

أيها القديس يوحنا ماري فياني، شفيع كهنة العالم، تشفّع في جميع الكهنة ورعاة الكنيسة، لكي يثبتوا في دعوتهم، ويحفظوا أمانتهم، ويكونوا رعاة صالحين على مثال الراعي الصالح، وشهودًا أمناء للإنجيل، وخدامًا لرحمة الله، حتى يقودوا شعبه إلى فرح القيامة ومجد الملكوت.


الخوري جوني التنوري

من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم