كتّاب المحبّة

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: "مريم درب السما"

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: "مريم درب السما"

من دواعي سروري أن أحدثكم عن حلمٍ جميلٍ عشته مرّة. لقد رأيت في حلمي طريقٌ طويلٌ يمتد من الأرض إلى السماء. لم يكن بطريق سهل، بل طريق مملوء بالصعوبات تعلوه المسامير الحادة، والحجارة المُسنّنة، وقطع الزجاج المكسرّة. ورأيت أناسًا يسيرون على هذا الطريق الطويل والشاق حفاة، تتجرح أقدامهم ويلهثون من الجهد والتعب والألم، ولكنهم يتابعون السير تشدّهم الرغبة في الوصول إلى السماء.

ورأيت بعد ذلك في حلمي يسوع يتقدّم. كان هو أيضًا حافي القدمين. كان يتقدّم ببطء، لكن بتصميم كلّي. وبالرغم من ذلك لم يَجرح مرّة قدميه. وكان يسوع يتقدّم صعوداً في هذا الطريق الصعب، حتى وصل أخيراً إلى السماء وهناك جلس على عرش عظيم. ومن هناك، كان ينظر إلى كل الذين يتبعونه ويجدّون السير وراءه في درب السماء هذا، ويرمقهم بنظرات مشجّعة ويحثّهم بإشارات أخرى. 

مباشرةً بعده، تقدّمت مريم أمّه. مريم العذراء كانت تمشي بسرعة أكثر من يسوع. أتعرفون لماذا؟ لأنها كانت تمشي متبعةً آثار أقدام يسوع المتروكة على الطريق. 

وهكذا وصلت مريم بسرعة إلى جانب ابنها، الذي أجلسها قربها جهة اليمين على عرش عظيم. 

أيضاً مريم العذراء من علياها أخذت تشجّع كل الصاعدين في هذا الطريق الذي يربط الأرض بالسماء, وكانت تدعوهم أن يمشوا هم أيضاً متبعين آثار أقدام يسوع، كما فعلت هي. 

الأشخاص الحكماء كانوا يفعلون تماماً كما فعلت مريم وكانوا يصلون بسرعة إلى السماء. الآخرون كانوا يتذّمرون من الجروح ويتوقفون من حينٍ لآخر، وأحياناً كثيرة يتوقفون عن الجهاد ويجلسون إلى جانب الطريق والحزن يغمر قلوبهم.


العبرة:

من يتخذ مريم كمثل وقدوة له في اتباعه للمسيح، لن يضلَّ أبداً درب السماء.  

كلمة الله: فقالَت مريمُ: تُعظّمُ نفسي الرَّبَّ وتَبتهجُ رُوحي بِاللهِ مُخلِّصي لأنَّه نظرَ إليَّ، أنا خادِمَتُهُ الوضيعةُ! جميعُ الأجيالِ سَتُهَنِّئني لأنَّ القَديرَ صنَعَ لي عظائِمَ (لقوا 1/46-49). 

صلاة:

جميع الأجيال تطوّبني (تُهنِّئُني وتقول لي السعادة لك)

طوبى لك يا مريم لأنك كنت أول خليقة مشت بخطى ثابتة على درب السماء، الدرب الذي شقّه المسيح بتجسّده ومهّده بكلمته وعبدّه بدمه على الصليب ودشنّه بقيامته.

هنيئاً لك يا مريم لأنك قبلت يسوع كما لم يقبله أحداً قبلك، قبلته جنيناً في أحشائك، ورضيعاً في أحضانك وطفلا ًبين ذراعيك، وشاباً في ذاكرتك، وربّاً في قلبك، وإلهاً بكل كيانك. 

السعادة لك يا مريم لأنك قبل الكلّ آمنت بقيامة ابنك دون أن تري، وانتظرت بثقة وشوق تحقيق وعده بإرسال الروح القدس، فحظيت بنعمة حلوله عليك مع الرسل.

طوبى لك يا مريم لأنك، بعد صعود ابنك إلى السماء، بقيت أمينة لدعوتك كخادمةٍ للربّ، كما لم يبق أحدٌ من الرسل، فرافقت الكنيسة الأولى بحضورك كشاهدة حقّة ورسولة وأمّ. 

هنيئاً لك يا مريم لأنك بعد مماتك كنت في مقدّمة موكب المنتقلين إلى السماء بالنفس والجسد، وكأم المسيح الملك كُللت سلطانة على السماوات والأرض وأُجلست عن يمين ابنك.

 السعادة لك يا مريم ولنا لأنك أُعطيتِ لاستحقاقاتِ ابنكِ أن تكوني رأس الشفعاء في محفل القديسين، وتتابعي ما سبق وبدأته فتقودي أبناءك، إخوة يسوع، نحو السعادة الأبدية.

عهدٌ علينا نحن المعمدّينَ، الحاملين ختم ابنك، في حجّنا على هذه الأرض، أن ننظر دوماً إليك يا باب السماء ونتخذّك، بثقة مطلقة، قدوةً ومثالاً لنا في اتباع المسيح والسير على خطاه مصعدّين في درب السماء. آمين. 


الخوري شوقي كرم

دكتور في اللاهوت الخلقي الأساسي

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية



عودة إلى المقالات

إخترنا لكم