كتّاب المحبّة
تطوّر الشمّاسيّة في الكنيسة: "خدمة تتوارى لتُضيء"
في أواخر القرن الرابع، أصبحت الثلاثيّة، الأساقفة، والكهنة، والشمامسة، ترتيبًا ثابتًا للأكليروس المسيحي. وتحتلّ الشمّاسيّة في هذا الترتيب، مركزًا تابعًا مباشرةً للأسقف يحتوي على ثلاث وظائف: خدمة الليتورجيّة، وخدمة البشارة والتعليم، وخدمة المحبّة التي تتضمّن تفقّد المعوزين، إدارة الممتلكات وتوجيه خدمات الدعم وتنظيم حياة الجماعة الكنسيّة بحسب توجيهات الأسقف.
تراجع دور الشمّاس: بين القرن الخامس والقرن الحادي عشر
•كان الشمّامسة، منذ القرن الثالث، على رأس القطاعات السبعة الكبيرة في روما، والكهنة على قطاعات صغيرة فيها، ممّا جعل منصب الشمّامسة مرغوبًا، فكثُروا وأخذوا يتعدّون على دور الكهنة ويزاحمونهم ّفي الخدمات الطقسيّة. حاول الأساقفة حصر عددهم إلى سبعة في أقصى حدّ، لكلّ كنيسة، ولكن بلا جدوى. فذكّروهم في مجمع نيقية أنّ عليهم أن يبقوا " ضمن حدود صلاحيّاتهم، وأن يعلموا أنّهم خدّام الأساقفة ودون الكهنة مرتبةً". نتج عن ذلك ابتعادٌ بين الشمامسة والأساقفة واقتراب بين الأساقفة والكهنة. فتسلّم الكهنة المهمّات الخاصّة بالشمامسة الذين لم يعد دورهم واضحًا في الكنيسة. ونمى بالوقت نفسه لدى الإكليروس ميلٌ مُزدوج إلى نسيان دعوته إلى الخدمة، وإلى رفع الكهنوت إلى أسمى قدسيّة.
•ويُمكن القول، إنّ الثلاثيّة، شمّاس، كاهن، أسقف، أصبحت في أواخر القرن الخامس، تَتابُع مراحل نحو الكهنوت تتميّز الواحدة عن الأخرى، بمهامّها في الليتورحيّة.
•وإنطلاقًا من القرن العاشر، في الغرب، دخلت في رتبة سيامة الشمّاس حركة تسليمه كتاب الأناجيل علامةً إلى أنّ دوره الأساسيّ هو إعلان الإنجيل في الإحتفالات الليتورجيّة. والكاهن فهو رجل الإفخارستيّا ولذا يُسلّم في رتبة سيامته الخبز والكأس، كما يُساعده الشمّاس على المذبح.
•وفي الشرق، لاحظ المجمع البيزنطي "تروللو" (692)، أنّ السبعة المشار إليهم في أعمال الرسل ما كانوا شمامسةً ولا كهنة ولا أساقفة، بل أشخاصًا "كُلّفوا بإدارة حاجات الجماعة المشتركة".
خلاصة: تطوّر مفهوم الثلاثيّة الإكليريكيّة على قاعدة ابتلاع الوظيفة الأعلى صلاحيّات الوظيفة الأدنى: ما يعمله الشمّاس يستطيعه الكاهن، والأسقف يستطيع القيام بكلّ الوظائف. سُلب هكذا الشمّاس من أقدم دورٍ له، إدارة ممتلكات الجماعة وأعمال البرّ والإحسان وسُلّم إلى كهنةٍ أو إلى رهبان أو إلى علمانيّين. فلم يعد أيّ مبرّر للشمّاسيّة الدائمة سوى أنّها تُذكّر الكنيسة بكامل عناصرها، أنّها خادمة الله والبشر كونُها جسد المسيح.
ما هي المخاوف التي تثار حول الخدمة الشماسيّة الدائمة في البيئة الكنسيّة ؟
•المخاوف التي تثار في البيئة الكنسيّة حول الشماسيّة الدائمة هي لاهوتيّة وعقائديّة، فالبعض يخشى من تحوّل الشمّاس الدائم، والذي غالباً ما يكون متزوجاً ويعمل في وظيفة مدنيّة، إلى شخص بل هويّة واضحة، فلا هو كاهن متفرّغ ومجرّد تماماً من الإرتباطات العالميّة، ولا هو مؤمن علماني؛ كما أنّه يوجد تخوّف من إهتزاز التسلسل الهرمي التقليدي للرتب الكنسيّة أو التقليل من هيبة الدرجات الكهنوتيّة الأعلى إذا ما توسّعت صلاحيّات الشمّاس الدائم في ممارسة بعض الأدوار الليتورجيّة أو الإداريّة.
ملتقانا في الجزء الثاني من المحطّة الثالثة ،
الشمّاس نويل توفيق عوّاد
من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة صربا