كتّاب المحبّة

الإيمان الذي يتجاوز الحدود ويفتح كنوز الخلاص

الإيمان الذي يتجاوز الحدود ويفتح كنوز الخلاص

تجمع لنا كلمة الله اليوم بين راعوث، والقديس بولس، والمرأة الكنعانية، لتكشف لنا وجهًا واحدًا من وجوه الخلاص: أن الله لا يغلق أبواب رحمته أمام أحد، وأن الإيمان الحقيقي هو الذي يتجاوز الحدود، ويثق بالله، ويثابر حتى النهاية.

في هذه القراءات الثلاث نلتقي بثلاثة أشخاص غرباء عن شعب العهد، لكنهم صاروا علامات حيّة لعمل الله: راعوث الموآبية، الأمم في تعليم بولس، والمرأة الكنعانية في إنجيل متى. وكأن الرب يعلن لنا أن القيمة ليست في الانتماء الخارجي، بل في القلب الذي يقترب منه بإيمان.


-أولًا: راعوث، الإيمان الذي يختار الله.

كانت راعوث موآبية، غريبة عن شعب إسرائيل. وبعد موت زوجها، كان بإمكانها أن تعود إلى أرضها وأهلها، وتبدأ حياة جديدة. لكنها اختارت أن تبقى مع نعمي، وقالت لها تلك الكلمات التي أصبحت علامة إيمان وأمانة: "شعبك شعبي، وإلهك إلهي."

لم تكن تعرف ما ينتظرها، لكنها عرفت مع من تريد أن تسير. وهذا هو جوهر الإيمان: ليس أن أرى الطريق كله، بل أن أثق بمن يقودني.

كم نرغب نحن أحيانًا أن يكشف لنا الله كل شيء قبل أن نثق به! نريد ضمانات، وتفاصيل، ونهاية واضحة. لكن الله لا يعطينا الطريق كاملًا، بل نورًا يكفي للخطوة التالية.

راعوث تركت أرضها وضماناتها، فدخلت أرض الخلاص، وأصبحت في النهاية جدة الملك داود، ودخل اسمها في نسب يسوع المسيح.

ما أعجب عمل الله! الإنسان رآها غريبة، أما الله فرأى فيها امرأة مؤمنة تصير جزءًا من تاريخ الخلاص.

وهذا ما تؤكده حياة القديسين. فالقديس يوحنا بولس الثاني كان يردد: «لا تخافوا! افتحوا أبوابكم للمسيح.» فالإيمان يبدأ عندما نفتح له الباب، حتى عندما لا نعرف ما ينتظرنا خلفه.

ولذلك، إذا كنت اليوم أمام مستقبل مجهول أو قرار صعب، تعلّم من راعوث أن تقول: يا رب، لا أعرف الطريق، لكنني أعرفك؛ لذلك أختار أن أسير معك.


-ثانيًا: القديس بولس، المسيح يهدم الحدود.

ما بدأ في راعوث، يعلنه القديس بولس بوضوح:

"إن الأمم شركاء في الميراث، وأعضاء في الجسد الواحد، وشركاء في الموعد في المسيح يسوع."

المسيح جاء ليهدم الحواجز التي يصنعها الإنسان بين إنسان وآخر.

نحن نضع حدودًا كثيرة: قريب وغريب، مقبول ومرفوض، يشبهني ويختلف عني. وقد تمتد هذه الحدود أحيانًا إلى داخل حياتنا الكنسية والعائلية.

لكن المسيح لا ينظر إلى الإنسان من خلال أصله أو ماضيه، بل يراه ابنًا محبوبًا مدعوًا إلى الخلاص.

ولهذا يدعونا البابا فرنسيس إلى أن تكون الكنيسة بيتًا مفتوحًا للجميع، لا مكانًا يشعر فيه أحد بالرفض أو الإقصاء. وهنا نسأل أنفسنا بصدق:

هل قلبي مفتوح حقًا؟ هل أستطيع أن أغفر؟ هل أقبل المختلف عني؟ هل أعطي فرصة جديدة لمن أخطأ؟

هل أؤمن أن نعمة الله قادرة أن تغيّر من أعتبره بلا رجاء؟

فالكنيسة لا تعيش رسالتها عندما تغلق الأبواب، بل عندما تفتحها باسم المسيح.

والمذبح الذي نقترب منه هو أجمل علامة على هذه الوحدة: فنحن مختلفون، لكننا نصير جسدًا واحدًا في المسيح من خلال الخبز الواحد والكأس الواحد.

لذلك، الإيمان لا يضيّق القلب، بل يوسّعه. ومن يقترب من المسيح، لا بد أن يقترب أكثر من الإنسان.


-ثالثًا: المرأة الكنعانية، الإيمان الذي لا يستسلم.

ثم نصل إلى قلب الإنجيل.

امرأة كنعانية تأتي إلى يسوع وتصرخ: "ارحمني يا سيد، يا ابن داود! إن ابنتي تتعذب عذابًا شديدًا."

لكن يسوع يصمت.

كم يشبه هذا صمت الله أحيانًا في حياتنا!

كم مرة صلّينا ولم نرَ جوابًا؟ كم مرة طلبنا شفاءً أو خلاصًا أو سلامًا، وبقيت السماء صامتة؟

لكن المرأة لم تتراجع.

كان يمكنها أن تنسحب، لكنها بقيت. وعندما سمعت كلامًا يبدو قاسيًا، أجابت بتواضع وإيمان:

"نعم يا سيد، ولكن الكلاب الصغيرة أيضًا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها."

لم تطلب حقًا، بل تمسكت برحمة. وهنا تظهر قوة إيمانها: إيمان لا يطالب، بل يثق.

يقول القديس أوغسطينوس إن الله يؤخر أحيانًا العطية لكي يوسّع القلب استعدادًا لها. ويعلّمنا القديس إسحق السرياني أن التواضع الحقيقي هو أن نثق بالله حتى عندما لا نفهمه.

وعندها ينطق يسوع بالكلمة التي تكلل هذا الإيمان:

"يا امرأة، عظيم إيمانك! فليكن لك كما تريدين."

لم يمدح أصلها، ولا مكانتها، بل إيمانها.

وهنا الرسالة واضحة:

قد تتأخر الإجابة، لكن لا تتوقف عن الصلاة.

قد يبدو الله صامتًا، لكنه ليس غائبًا.

قد تشعر أنك غير مستحق، لكن رحمة الله أوسع من ضعفك.


راعوث تعلمنا أن نختار الله حتى في الغموض.

والقديس بولس يعلمنا أن المسيح يجمع الجميع في جسد واحد.


الخوري جوني التنوري

من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم