كتّاب المحبّة

في عيد انتقال العذراء إلى السماء:"فتاة حيّ برسي"

في عيد انتقال العذراء إلى السماء:"فتاة حيّ برسي"

هذه قصّة واقعية، حدثت في فرنسا منذ بعض سنين، في حيّ Bercy   في مدينة باريس على نهرLa Seine  الكبير.

في صباح أحد الأيام، تجمع الناس في باريس على وقع جرس Bercy حول شرطي يحمل فتاة بعد نجاتها من الغرق في نهر La Seine . طبعاً كان بعض الحاضرين يخبرون كيف جرى الحادث، فيقولون أن هذه الفتاة كانت تلعب لوحدها على ضفّة النهر، دون رقيب، فزّلت رجلها ووقعت في النهر. وأخذت تتخبط في المياه وتصرخ راجيةً من ينقذها. ورأوا من بعيد رجلاً مسنّاً ينزل إلى الماء على عجل وينقذ الفتاة. وفيما هم يفتشّون بأنظارهم عن العجوز التي خلّص الفتاة ليقولوا للشرطي عنه، كان هذا الأخير قد رحل دون أن يشكره أحد.

طبعاً، كان همّ الشرطي ومن معه أن يجد أهلها. وقد أتت فعلاً أمّها التي كانت تبحث عنها. وكان قد حضر إلى المكان أيضاً الأب بيار المعروف في فرنسا وفي العالم كلّه بأب الفقراء، لأنه يهتّم بهم ويلتقطهم من الشوارع ويؤمن لهم المكان للنوم واللباس والطعام. فلّما سمعا القصّة من الشرطي، قررّ الأب بيار أن يبحث عن الرجل المسنّ الذي خلّص الفتاة، لأنه فهم من الجمع أن ثيابه كانت تدّل على أنه أحد الفقراء. فانطلق بسرعة علّه يدركه قبل تواريه عن الإنظار. وفي ما هو يبتعد تلحقه أم الفتاة وتعطيه بيده شيئاً برّاقاً بارداً وقالت له: عذراً لا يوجد معي إلاَ هذه فأعطها للفقير إذا وجدته أو لأحد فقرائك. 

ولحق الأب بيار بالرجل، وأخذ يفتش عنه على ضفّة النهر، خاصة في الأماكن التي اعتاد أن يجد فيها أمثاله، فوجده تحت أحد الجسور يوقد ناراً ليتدّفأ. وحاول الأب بيار إقناعه بالسماح له بمساعدته، فرفض هذا الأخير ولم يسمح له بالتدخل بحياته. 

ولمّا رأى الأب بيار إصراره على موقفه، قرر أن يعرض عليه أمراً هاماً فقال له: لقد عرّضت نفسك للخطر لتنقذ الفتاة الصغيرة من الغرق. فما رأيك أن تساعدني في مساعدة فقرائي. وسحب الأب بيار من جيبه الغرض الذي أعطته إياه أمّ الفتاة وأعطاه إياه وقال له خذ هذه المسبحة وصلّي لأجلهم. ومضى دون أن ينظر إلى الوراء. 

وما أن لمس الرجل المسبحة، حتى جثا على ركبتيه وأخذ يذرف الدموع من عينيه. فقد عادت إليه المسبحة التي ورثها عن أمّه ورافقته زمناً طويلاً، والتي قام برهنها لأم هذه الفتاة مقابل بعض المال الذي اشترى به بعض الطعام لئلا يموت جوعاً.

وفهم في تلك اللحظة، قيمة هذه المسبحة التي حملتها المرأة وصلّت بها كل يوم، فاستجاب الرّب صلاتها بشفاعة مريم وردّ الموت عن ابنتها. 

وقام من لحظته ولحق بالأب بيار، وقد قرّر أن يساعده في عمله لأجل خلاص النفوس من خلال صلاة المسبحة.

العبرة: تفتح صلاة المسبحة القلب على المحبّة، وتتحول في يد حاملها سلاحاً يحارب به لخلاص النفوس. 

كلمة الحياة: "وفي تلك الأيامٍ، قامَت مَريَمُ وأسرَعت إلى مَدينةِ يهوذا في جبالٍ اليهوديَّةِ. ودخلَت بَيتَ زكريَّا وسَلَّمت على أليصابات... وأقامت مريمُ عندَ أليصابات نحو ثلاثة أشهُر تخدمها، ثُمََّ رجعَت إلى بيتِها" (لوقا 1/39-40 و56). 


تأمل: طوبى لك يا أمّاً حبيبة.

طوبى لك يا مريم، لأنك أحببت الله حبّاً نقيّاً، تألّق، كالذهب الخالص المنقّى بالنار، في عطاءك ذاتك جسداً وقلباً وفكراً لخدمة تدبيره، وفي تسليم إرادتك لمشيئته، وفي مَحوَرة كل دقائق وخيارات حياتك حول مشروعه الخلاصي، حتى صرتي بكلّيتك له عروساً مشغفةً بحبّه، وصار لك الحبّ والحبيبّ. 

هنيئاً لك يا مريم، لأن الذي فيه الملء كلّه، ملء حب الآب للبشرية، حلّ فيك، فزادك نعمةً فوق نعمة، وغنىً فوق غنى، حتى صرت بدورك هيكلاً مقدّساً للحب الإلهي المتجسّد بين البشر. 

السعادة لك يا ممتلئة نعمةّ، لأنك بالنعمة التي هي حياة الله بالذات في حياتك، استطعت أن تدركي بحسّ أمومي مرهفٍ حاجة أليصابات للخدمة وعروسيّ قانا لاستمرار فرحهما ويسوع في طريق الجلجلة للتعزية والتشجيع، والرسل والتلاميذ وكثير من البشر للعون، فأسرعت  بحبٍّ وحنانِ وانحنيت عليهم ومددت يدك وتوسلّت لأجلهم بكل ما لديك من دالة لدى ابنك وحملت لهم جميعاً غمراً من الحب المُحيي والمجدّد. 

طوبى لك يا مريم، لأنك تتابعي رسالتك الأمومية مرتبطةً بابنك الذي أقامه الله بكراً بين إخوة كثيرين (روم 8/29)، فتسهمي بعونك الأمومي في ولادة وتربية كلّ إنسان يؤمن ويترك الله الآب يصالحه بابنه معه ومع ذاته ومع إخوته. 

هنيئاً لك يا مريم، لأنك بطاعتك المطلقة لمشروع الله الخلاصي لك وللبشرية جمعاء، أصبحت حواء الجديدة المعطى لها لاستحقاقات ابنها الذي سحق رأس الحيّة أن تحمل في أحشائها كل إنسان يلوذ بها، لتلده من جديد وتقدّمه لابنها. 

السعادة لك يا مريم ولنا، لأنك أمنا السماوية التي تحبّنا في كلّ حين، في قوتنا كما في ضعفنا، في انتصارنا كما في انكسارنا، في فرحنا كما في حزننا، في إيماننا كما في شكّنا، في أمانتنا كما في خيانتنا، ... تُحبيّنا وتعملي كلّ شيء حتى تتصور فينا كاملةً صورة المسيح. آمين  


الخوري شوقي كرم

دكتور في اللاهوت الخلقي الأساسي

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم