كتّاب المحبّة

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: قصة "الجندي بطرس"

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: قصة "الجندي بطرس"

كان هنالك رجلاً قويًّا وشجاعًا، اسمه بطرس، اختار أن يكون جنديًا في الجيش ليدافع عن أبناء وطنه. وحدث أنه أصيب في إحدى المعارك العنيفة ومات. وعبر إلى الحياة الثانية ووقف على باب الجنّة، فقرعه بكل قوّته. ففتح له القديس بطرس وسأله ماذا يريد. فأجابه:” أنا الجندي بطرس. "أريد أن أدخل إلى الجنّة". أنت تعرفني حتمًا، لأني أحمل اسمك". وأرى الجندي القديس بطرس الميداليات التي حملها على صدره استحقاقًا لبطولاته واستماتته في الزود عن وطنه. وختم معلناً بتواضع قائلاً: "أعتقد أنني لأجل كل هذا قد ربحت الجنّة. فأجابه القديس بطرس: ""سأرى، سأرى؛ اسمك هو أجمل الأسماء، هذا أمرٌ لا شكّ فيه. وأن تكون قاتلت ببطولة هذا أيضًا معروف... لكن كلّ هذا لا يكفي. يجب علّي أولاً أن أنظر في سجلي". واخرج القديس بطرس من خزانته الكتاب الذي دونّت فيه جميع أعمال الجندي بطرس. وأخذ يقرأ فيه، ومع كل صفحة يطويها كان يهزّ برأسه، ويمرّر أصابعه على لحيته، ويهمدر. وخلص مما كُتب وهو غير مرضي وَفْقَ قوانين الجنّة، بأنه لن يستطيع السماح للجندي بطرس بدخول الجنّة. وفكّر في نفسه ماذا يمكن أن أعمل لهذا الجندي الذي ارتاح إليه وأحبّه، وهو يحمل اسمه.

وحاول التوسط له لدى الملاك جبرائيل رئيس جند الملائكة، وبعض القديسين مثل مار يوسف والقديسة تريزيا ومار فرنسيس، فما لقي لديهم سوى الأسف والتأكيد على أن الجندي بطرس كان عليه أن يعمل أكثر ليدخل الجنّة. فما بقي لبطرس سوى التكلّم مباشرة مع الربّ يسوع ويحدّثه عن بطولات هذا الجندي واستشهاده في سبيل وطنه. وبينما يسوع يصغي بانتباه لما يتكلّم به بطرس، علت صيحات الشرير وجحافله من خارج الجنة قائلة: "توقفوا، توقفوا. فهذا الجندي الذي كان يلعن الشيطان دائماً هو خاصتنا".

في هذا الوقت بالذات اقتربت سيدّةُ جميلة من يسوع حاملة في يديها كتابًا ذهبيًا، سلّمته له. فأخذ يسوع الكتاب وبدأ يقرأ في صفحاته الكثيرة. وبعد قراءة مطوّلة توجه نحو المرأة وحنى برأسه مبتسماً وبحبٍّ كبير. وكانت هذه العلامة. بإمكان الجندي بطرس أن يدخل الجنّة. 

لقد كانت مريم العذراء نفسه هي التي أخذته بيدها وأدخلته إلى الجنة، بينما كان بطرس يضحك فرحًا وراضيًا. 

غير أن الشيطان وجحافله كانوا أقل منه بكثير فرحًا ورضًا. لقد هرولوا نحو جهنّم وهم يعترضون: "مريم هي التي تخرب مشاريعنا‍ ‍! إنها تستمر بسرقة النفوس التي تنتمي إلينا! لهذا السبب يمكن أن نصل لمرحلة لا يعود لدينا عملاً بسببها".

أمًا بالنسبة للقديس بطرس، فقد بقي في قلبه رغبة كبيرة في معرفة ما كتب في الدفتر الذهبي التي حملته مريم إلى يسوع ليقرأه؟

وهكذا حدث. فبينما كان الجميع في الجنّة يحتفلون بالقادم الجديد، اقترب القديس بطرس رويدًا رويدًا من الكتاب الذهبي وفتحه. لقد كان مكتوبًا فيه كثير من صلاة "السلام عليك يا مريم"، تقريبًا على كلّ صفحة. ألوف وألوف من السلام عليك يا مريم. في كل مرّة كان الجندي بطرس يصلي "السلام عليك يا مريم..."، كانت مريم تكتبه اعلى الدفتر الذهبي. ففهم القديس بطرس أن صلاة "السلام عليك يا مريم..." هي التي فتحت أبواب الجنّة أمام الجندي بطرس. 

العبرة: لم يُسمع يا "باب السماء" أن أحدًا التجأ إليك ورُدَّ طلبه. فأنت يا مريم جالسة عن يمين ابنك تشاركيه رسالته في خلاص النفوس وتحملي بشفاعتك للجميع رحمة وحنان الآب السماوي الذي يريد خلاص الكّل. ولهذا نحن واثقون بأن مسيرة حجّنا إليك التي عبقت بأريج صلاة الأبانا والسلام، قادرةٌ أن تحوّل قلبنا إلى قلبٍ تائبٍ وطيّبٍ وخيّرٍ وصالحٍ، وتقودُ خُطانا على دربِ السماء.

صلاة: جميع الأجيال تطوبني 

الجنينُ الذي أنقذتِه بتعزيةِ وتقويةِ أُمِّه على استقبالِه وحَملِه بِحبٍ وفرحٍ، يصرخُ طوبى لك يا مريم. 

الرضيعُ الذي انسابت نغماتُ "السلامُ عليك يا مريم..." وأناشيدُك المريَمية في أُذُنَيه فَكفكفتْ دُموعَه وهدّأتْ روعَتَه، يصرخُ طوبى لك يا مريم.

الطفلُ الذي انفتحتْ عيناهُ على رؤيةِ وجهَكِ ولامستْ أناملَهُ حبّاتِ مَسبحَتِك وطابتْ نفسُه بأَخباركِ الإنجيليةِ العذبة، يُتَمتمُ طوبى لك يا مريم.

الصبيُّ الذي تربّى على فضائِلِك وتعلّمَ طلبَ شفاعتِك وقُدتِ خُطواتِه في طريقِ المسيحِ فشبَّ على مَعرفةِ الربِّ ومحبتِه، يشكرُ مُردداً طوبى لك يا مريم. 

المراهقُ الذي احتمى بعنَايتِك الأُموميةِ وتسلّحَ بصلاةِ مسبحتكِ وتشبَّهَ بكِ في إيمانِك ومَحبتِك ورجاءِك، فَنصَرتِه على الشريرِ وحَفَظَتِ عليه طَهارتَه، يُعلن طوبى لك يا مريم. 

البالغُ الذي التجأ إلى حِمايتكِ وأسرَّ إليك بآمالِه وأحلامِه وطُموحاتِه، وبكى صعوباتَهُ بينَ يديك، وكنتِ لهُ خيرَ شفيع، يَلهجُ قلبَه كلَّ حِين، طوبى لك يا مريم. 

الزوجانِ اللذان اختاراك رفيقةً لهُم في شَرِكةِ الحبِّ والحياةِ التي أَسَّساهَا، وتركَاكِ تُرَافِقيهمَا وَتَحملي لابنكِ كلَّ نقصٍ في حياتِهما، فَلمْ يَنقُصْ فَرحُهُما أبداً، يهتفان طوبى لك يا مريم.

المُسنُّ الذي أمضىَ سِنيَّهُ الأخيرة يُتمتمُ صلاةَ الأبانا والسلام واستودعَ بين يديكِ نفسَه لِتُرافقيِِه، فلمْ تَنقُصْهُ نعمةً روحيةً وَنَعِمَ بميتةِ الأبرارِ، يُردّْدُ طوبى لك يا مريم. 

الجماعاتُ الروحيةُ، الديريةُ والعلمانيةُ، التي اختارتِك شفيعةً لها واستظَلَّت بِحمايتِك وَطلبتْ على الدوامِ عِنَايتِكِ الأُمُوميَّةِ، تُنشدُ على الدَوامِ، طوبى لك يا مريم  

ونحنُ مع كلِّ الأجيالِ نَهتفُ بفخرٍ وفرحٍ: طوبى لك يا مريم؛ طوبى لك يا مريم.    


الخوري شوقي كرم

دكتور في اللاهوت الخلقي الأساسي

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم