كتّاب المحبّة

لا مشهد يكتمل من دون مريم

لا مشهد يكتمل من دون مريم

إذا قرأنا الإنجيل من أوله إلى آخره، سنكتشف أن مريم العذراء لا تظهر في كل صفحة، لكنها حاضرة في كل لحظة مفصلية من تاريخ الخلاص. فحضورها ليس حضورًا عابرًا أو ثانويًا، بل حضور أراده الله أن يرافق ابنه منذ لحظة التجسد حتى ولادة الكنيسة. لذلك، لا تبدو مريم مجرد أم ليسوع بحسب الجسد، بل المرأة التي يربط حضورها بين أعظم مشاهد الإنجيل، حتى ليصحّ القول إنّ مشاهد الإنجيل الأساسية لم تكتمل من دون مريم!


- "ليكن لي"... بداية تاريخ الخلاص

لم تبدأ قصة الخلاص في بيت لحم، بل في الناصرة، عندما دخل الملاك إلى فتاة متواضعة وبشّرها بأنها ستلد ابن الله. وهناك، لم يكن الله يفرض مشيئته، بل ينتظر جواب الإنسان.

فقالت مريم:

"ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك". لوقا 1: 38

بهذه الكلمة دخل الله إلى التاريخ بطريقة لم يعرفها البشر من قبل، وصار التجسد حقيقة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت مريم ترافق ابنها في صمت المؤمنين. لم تطلب لنفسها دورًا، ولم تسعَ إلى مجد، بل اكتفت بأن تكون حيث يريدها الله، تحفظ الأحداث في قلبها وتترك لله أن يكشف معناها مع مرور الزمن.


- عرس قانا... حيث بدأت الآية

عندما بدأ يسوع حياته العلنية، لم يكن ذلك في الهيكل ولا في مجمع، بل في عرس بسيط في قانا الجليل. وهناك أيضًا كانت مريم.

قبل الجميع، رأت حاجة العروسين، فقالت ليسوع:

"ليس لهم خمر." يوحنا 2: 3

فأجابها:

"ما لي ولكِ يا امرأة؟ لم تأتِ ساعتي بعد" يوحنا 2: 4

لطالما بدت هذه العبارة غامضة، لكن مفتاحها يكمن في كلمة "الساعة". ففي إنجيل يوحنا، لا تشير الساعة إلى وقت زمني، بل إلى ساعة الصليب، ساعة الفداء، ساعة المجد.

وكأنّ يسوع يقول إن الآية التي ستبدأ اليوم لن تكتمل إلا عندما تأتي ساعة الصليب. أما مريم، فلم تدخل في نقاش، لأنها كانت تعرف أن ابنها لن يردّ طلبًا يحمل خلاص الإنسان. لذلك التفتت إلى الخدم وقالت الجملة الوحيدة التي حفظها الإنجيل عنها بعد البشارة:

"مهما قال لكم فافعلوه"  يوحنا 2: 5

إنها آخر كلمات تنطق بها مريم في الإنجيل، وكأن رسالتها كلها اختُصرت في هذه الوصية. فهي لا تدعو الناس إليها، بل تقودهم دائمًا إلى المسيح. وهكذا صنع يسوع أولى آياته، وحوّل الماء إلى خمر. لكنّ هذه الخمر لم تكن سوى بداية قصة ستبلغ ذروتها بعد سنوات فوق الجلجلة.


- من خمر قانا إلى دم الصليب

لم تكن معجزة قانا مجرد حلّ لمشكلة في عرس، بل كانت علامة تحمل معنى أعمق. فالخمر في الكتاب المقدس ليست رمزًا للفرح فحسب، بل ترتبط أيضًا بالعهد الجديد الذي سيُختم بدم المسيح. ولهذا، عندما جاءت الساعة التي تحدث عنها يسوع في قانا، جلس مع تلاميذه في العشاء الأخير وأخذ الكأس وقال:

"هذا هو دمي، دم العهد الجديد، الذي يُسفك من أجل كثيرين". متى 26: 28

وهكذا، فإن الخمر التي ظهرت في بداية الرسالة وجدت كمالها في الدم الذي سُفك على الصليب.

في قانا قال يسوع إن الساعة لم تأتِ بعد. وعلى الجلجلة جاءت الساعة.

هناك لم يعد الماء يتحول إلى خمر، بل صار ابن الله نفسه الخمر الجديدة، إذ سفك دمه ليهب البشرية حياة جديدة.


- عند الصليب... حين صارت مريم أمًا للجميع

إذا كانت مريم حاضرة عند أول آية، فقد شاء الإنجيل أن تكون أيضًا حاضرة عند أعظم آية.

يقول القديس يوحنا:

"وكانت واقفة عند صليب يسوع أمه".  يوحنا 19: 25 

وقفت تحت الصليب كما وقفت يوم البشارة، بالإيمان نفسه والتسليم نفسه، رغم أن السيف الذي تنبأ به سمعان كان قد بلغ قلبها.

ومن فوق الصليب، خاطبها يسوع قائلًا:

"يا امرأة، هوذا ابنك... يوحنا هذه أمك " يوحنا 19: 26-27

إنّ كلمة "يا امرأة" التي نسمعها في قانا تتكرر على الصليب، وكأن الإنجيل يريد أن يربط بين المشهدين. ففي قانا بدأت الساعة، وعلى الصليب اكتملت، وبين البداية والنهاية كانت مريم حاضرة.

والكنيسة رأت في يوحنا الحبيب ممثلًا لكل المؤمنين، وفي مريم الأم التي تُعطى للكنيسة كلها. المرأة التي قالت "نعم" عند البشارة، أصبحت الآن أمًا لكل إنسان. فإذا كانت حواء قد دُعيت أمّ جميع الأحياء بحسب الجسد، فإن مريم صارت، بنعمة ابنها، أمّ المؤمنين في حياة النعمة.


- مريم... الوعد الذي بدأ في العهد القديم

لم تظهر مريم فجأة في صفحات الإنجيل، بل مهّد الله لحضورها عبر رموز وصور ونبوءات امتدت على صفحات العهد القديم. فمنذ سقوط الإنسان، جاء الوعد الأول بالخلاص في سفر التكوين، عندما قال الرب للحية:

"وأجعل عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، فهي تسحق رأسك". التكوين 3: 15

ورأت الكنيسة في هذه "المرأة" بداية الإعلان عن مريم، التي سيولد منها المخلّص، فينتصر على الخطيئة والموت. كما رأى آباء الكنيسة في مريم تابوت العهد الجديد. فإذا كان تابوت العهد القديم يحمل لوحي الشريعة، فإن مريم حملت في أحشائها الكلمة المتجسد، يسوع المسيح، الذي جاء ليتمّم الناموس ويمنح البشرية عهدًا جديدًا.

ولم تغب رموزها عن  سفر الحكمة أيضًا، إذ تطبّق الليتورجيا عليها كلمات يشوع بن سيراخ:

"ارتفعت كالأرز في لبنان." سيراخ 24: 13

وليس الأرز هنا مجرد صورة شعرية، بل رمز للشموخ والثبات وعدم الفساد، وهي صفات تجلت في حياة تلك المرأة التي بقيت أمينة لله في البشارة، وفي قانا، وعند الصليب، وفي العنصرة.


- العنصرة... الكنيسة لا تولد من دون الأم

قد يظن القارئ أن دور مريم انتهى عند الصليب، لكن الإنجيل يقودنا إلى مشهد آخر بالغ الأهمية.

بعد القيامة والصعود، اجتمع الرسل في العلية ينتظرون موعد الآب، وكانوا يواظبون على الصلاة.

وهناك يذكر سفر أعمال الرسل اسمًا قد يبدو عابرًا، لكنه يحمل معنى عميقًا:

"وكانوا يواظبون جميعًا بنفس واحدة على الصلاة... مع مريم أم يسوع."  أعمال 1: 14

ليست هذه مجرد إشارة تاريخية، بل إعلان لاهوتي. فالمرأة التي استقبلت الروح القدس يوم البشارة، كانت أيضًا حاضرة عندما حلّ الروح القدس على الرسل يوم العنصرة. وكما رافقت ولادة المسيح في العالم، رافقت أيضًا ولادة الكنيسة في التاريخ.

إنها الأم التي شهدت ولادة المخلّص، وشهدت أيضًا ولادة الجماعة التي ستحمل رسالته إلى أقاصي الأرض.

وهكذا، حتى العنصرة، لم يكتمل مشهدها من دون مريم.


- مريم في الرؤيا... المرأة المتسربلة بالشمس

وإذا كان حضور مريم قد رافق بداية الإنجيل، فإن الكتاب المقدس يختم صفحاته بصورة تحمل أبعادًا مريمية عميقة. في سفر الرؤيا يرى القديس يوحنا:

"امرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحت قدميها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا " رؤيا 12: 1

ومن اللافت أن كاتب الرؤيا هو نفسه الإنجيلي يوحنا، الذي سمع يسوع في قانا يقول لمريم:  "يا امرأة"، ثم سمعه على الصليب يخاطبها باللقب نفسه: "يا امرأة، هوذا ابنك". وكأن هذا اللقب ليس مجرد أسلوب مخاطبة، بل خيط لاهوتي يمتد من وعد الله في سفر التكوين إلى قانا، ثم إلى الجلجلة، وصولًا إلى المرأة المتسربلة بالشمس في خاتمة الكتاب المقدس.


- لكي تكتمل مشهدية حياتنا...

إذا كان الإنجيل يبدأ مع مريم، ويمرّ عبرها في قانا، ويبلغ ذروته وهي واقفة عند الصليب، وتولد الكنيسة وهي تصلي في العنصرة، فليس غريبًا أن يبقى حضورها حيًا في حياة المؤمنين حتى اليوم.

لقد شاء الله أن يدخل العالم من خلال موافقتها، وشاء الابن أن يبدأ آياته بحضورها، وأن يمنحها للبشرية أمًا عند الصليب، وأن تكون مع الكنيسة في ولادتها الأولى.

لهذا، لا تبدو مريم تفصيلًا في الإنجيل، بل خيطًا ذهبيًا يربط صفحات الخلاص بعضها ببعض.

وإذا كانت مشهدية الإنجيل لم تكتمل من دونها، فإن مشهدية حياتنا نحن أيضًا تكتمل عندما نتعلم منها أن نقول لله: "ليكن"، وأن نقف بثبات عند الصليب، وأن ننتظر الروح بالصلاة، وأن نجعل المسيح دائمًا في مركز حياتنا.

إنها ليست محور الإنجيل، لأن المحور هو المسيح وحده، لكنها المرأة التي شاء المسيح أن تكون حاضرة عند أهم محطات رسالته. فهي لا تحجب الابن، بل تقود إليه دائمًا، ولا تطلب المجد لنفسها، بل تكرر في كل زمن وصيتها الوحيدة: "مهما قال لكم فافعلوه".

ففي النهاية، مريم هي اليد التي تقودنا نحو الطريق، وكلما اقتربنا منها، اكتشفنا أنها لا تحتفظ بنا لنفسها، بل تشير دائمًا إلى ابنها، الذي فيه وحده يكتمل الخلاص، له المجد الى الأبد. آمين.


الإعلامي روي أبو زيد


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم