كتّاب المحبّة

"مريم… حاضرُ الله"، في عيد انتقال العذراء بالنفس والجسد: "عندما يبلغ الزمن ثماره في الأبدية"

"مريم… حاضرُ الله"، في عيد انتقال العذراء بالنفس والجسد: "عندما يبلغ الزمن ثماره في الأبدية"

الانتقال ليس هروب مريم من الزمن، ولا احتقارًا للجسد، ولا مكافأة خارجية أضيفت إلى حياتها. إنه إعلان أن نعمة قيامة المسيح قادرة أن تبلغ الإنسان كله. ما بدأ فيها بالإيمان، وما مرّ في جسدها بالخدمة والألم والأمومة، دخل بنعمة الله ملء الحياة.

يقول بولس: «المسيح قد قام من بين الأموات وصار باكورة الراقدين» (1 كورنثوس 15: 20)، ويقول: «كما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضًا صورة السماوي» (1 كورنثوس 15: 49). المسيح هو الأصل والفاعل والبكر؛ ومريم هي أول ثمرة مكتملة تظهر للكنيسة ما أُعدّ لها. لذلك قالت الكنيسة إن انتقالها «علامة رجاء أكيد وعزاء» لشعب الله السائر.

في منظور أغسطيني، يمكن القول إن حياة مريم الزمنية لم تُرمَ وراءها كشيء بلا قيمة؛ لقد جُمعت في الله. الأبدية لا تلغي حقيقة ما عشناه في المحبة. كل «نعم» صادقة، كل خدمة خفية، كل دمعة قُدمت، كل وقفة أمينة عند صليب، تجد حقيقتها في الله. ليس الخلاص محو السيرة، بل اكتمالها.

نحن نخاف الموت لأنه يبدو سارق المستقبل وقاطع العلاقات. لكن الانتقال يعلن أن الكلمة الأخيرة ليست للزوال. الجسد الذي كان مكان استقبال الكلمة لا يُترك للعدم. والمادة ليست عدوًا للروح؛ لقد خلقها الله، واتخذها الابن، وأقامها. لذلك فالإيمان بالانتقال يحمل أيضًا أخلاقًا للجسد وللعالم: لا يجوز احتقار الجسد أو المتألم أو الأرض أو التاريخ، لأن الخلاص لا يخلّصنا من إنسانيتنا بل يخلّص إنسانيتنا.

ومريم في المجد لا تصبح ماضيًا جميلاً للكنيسة. إنها حاضرة في شركة القديسين، لا بحضور ينافس حضور الله، بل بحياة مستمدة منه. إنها تشير إلى المستقبل الذي دخل منذ الآن في قلب التاريخ: ما نرجوه قد تحقق فيها بنعمة ابنها. عيدها يجعل السماء ليست فكرة بعيدة، بل مصيرًا له وجه أمومي.

يقدّم سفر الرؤيا صورة «امرأة ملتحفة بالشمس والقمر تحت قدميها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا» (رؤيا 12: 1). للصورة أبعاد تتعلق بشعب الله والكنيسة، وقد قرأها التقليد أيضًا في ضوء مريم. إنها لا تضع المرأة في مركز منفصل عن المسيح؛ الشمس التي تلبسها نور ممنوح. المجد المريمي كله استقبال وإشعاع: ما فيها من نور هو انتصار نعمة الله.

- مريم والكنيسة : أن نلد حضور المسيح في زماننا

إذا بقي حديثنا إعجابًا بمريم من بعيد، نكون قد خسرنا الرسالة. فمريم صورة الكنيسة وتلميذتها الأولى. ما حدث فيها على نحو فريد يدعونا إلى مشاركة روحية: أن نقبل الكلمة بالإيمان، ونحمله في الداخل، ونقدمه إلى العالم بالأعمال.

يقول يسوع: «أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها» (لوقا 8: 21). لم يكن بذلك يقلل من شأن أمه؛ كان يكشف سر عظمتها ويجعله طريقًا للتلمذة. لقد سمعت وعملت قبل الجميع. ولهذا أكد أغسطينس أن تلمذتها للمسيح هي قلب طوباويتها.

الكنيسة مدعوة إلى أن تكون «حاضر الله» في التاريخ بالمعنى نفسه: لا أن تملك الله أو تحتكره، بل أن تخلي مكانًا لحضوره. تكون مريمية عندما تصغي قبل أن تتكلم، وتحفظ قبل أن تحكم، وتذهب مسرعة إلى المحتاج، وتلاحظ نفاد خمر الفرح، وتقف قرب المصلوبين، وتنتظر الروح مع الجماعة.

وهذا له بعد ثقافي واجتماعي. «تعظم نفسي الرب» ليس نشيدًا فرديًا رقيقًا فقط؛ إنه إعلان انقلاب مقاييس: المتكبرون يتشتتون، والأقوياء ينزلون، والمتواضعون يرتفعون، والجياع يشبعون. حضور الله الذي حملته مريم يدخل العلاقات والعدالة والكرامة.

 لا يحق لنا أن نتكلم عن الحاضر الأبدي ثم نهمل حاضر الفقير. من ينتظر السماء لا يهرب من الأرض، بل يعمل لكي يصير الزمن أكثر مطابقة لإرادة الله.

في شرقنا، حيث يثقل الماضي بالحروب والتهجير والذاكرات المجروحة، ويقلق المستقبل بالهجرة وعدم الاستقرار، تصبح مريم مدرسةً لاستعادة الحاضر. لا تطلب منا أن ننسى ضحايانا، بل أن نحفظ الذاكرة من التحول إلى وقود للكراهية. لا تطلب أن نتجاهل الخطر، بل ألا نسلّم المستقبل للخوف. ولا تدعونا إلى تدين منفصل عن الناس، بل إلى «زيارة» تحمل المسيح وتخلق لقاءً.

حين دخلت مريم بيت زكريا، تحولت الزيارة إلى عنصرة صغيرة: امتلأت أليصابات من الروح، وارتكض الجنين، وانطلق التطويب والنشيد (لوقا 1: 39-45). المؤمن الحاضر لله يوقظ الحياة في الآخرين. وقد يكون معيار صلاتنا هذا السؤال: هل يجعل حضوري الناس أكثر حياة، وأكثر حرية، وأكثر قدرة على التسبيح؟

- من الزمن المشتت إلى الزمن المكرَّس

لنفحص الآن حياتنا في ضوء الأزمنة الثلاثة.

1. حاضر الماضي: طقس الذاكرة المصالَحة

خذ حدثًا لا يزال يملك سلطة على قلبك. لا تنكره ولا تجمّله. ضعه أمام الله وسمِّ ما حدث، وما فقدته، وما فعلته أنت أيضًا. ثم اسأل: أين كانت النعمة، ولو كبذرة؟ ما الحقيقة التي يدعوني الله إلى قبولها؟ هل هناك غفران أحتاج أن أطلبه أو أقدمه؟ قل مع مريم: أريد أن أحفظ الحدث في القلب، لا كي يسمّمني، بل كي يكشف الله معناه في وقته.

2. حاضر الحاضر: صلاة «ها أنا»

مرة أو مرات في اليوم، توقف دقيقة. ضع الهاتف جانبًا. انتبه إلى تنفسك، إلى المكان، إلى الشخص الذي أمامك، ثم قل ببطء: «ها أنا يا رب». لا تطلب أولًا شيئًا. اسمح لنفسك أن تكون أمامه. وبعدها اسأل: ما المحبة الممكنة الآن؟ ليس بعد ساعة، ولا عندما تتغير الظروف: الآن.

قد تكون الإجابة مكالمة مؤجلة، اعتذارًا، إصغاءً، واجبًا يتم بإتقان، أو خمس دقائق من الصمت. القداسة ليست دائمًا بطولة استثنائية؛ كثيرًا ما تكون عدم الهروب من الواجب الحاضر.

3. حاضر المستقبل: تسليم الانتظار

سمِّ أمام الله ما تخشاه أو تنتظره. ميّز بين ما تستطيع فعله اليوم وما لا تستطيع السيطرة عليه. افعل الأول بأمانة، وسلّم الثاني بثقة. قل: «يا رب، المستقبل ليس في يدي، لكنه ليس خارج يديك». هكذا لا يتحول التسليم إلى كسل، ولا يتحول التخطيط إلى عبودية.

في صلاة «السلام عليك» نقول: «الآن وفي ساعة موتنا». كأن الصلاة تجمع الزمن كله بين «الآن» والساعة الأخيرة. نطلب من مريم أن ترافق الحاضر والمصير، التفاصيل والنهاية. وليس المقصود أن نعيش مرعوبين من الموت، بل أن نجعل كل الآنات مستعدة للقاء الذي يمنحها معناها.


- ثلاثة أخطار روحية تصححها مريم

الخطر الأول هو عبادة الماضي. قد نقدّس شكلًا تاريخيًا، عادةً، نجاحًا سابقًا، أو جرحًا، فنرفض عمل الروح الجديد. مريم متجذرة في وعد إسرائيل لكنها مفتوحة للمفاجأة التي تتجاوز توقعاتها. الأمانة ليست تكرار الماضي؛ إنها السماح للوعد القديم أن يثمر طاعة جديدة.

الخطر الثاني هو استهلاك الحاضر. نريد أن نستخرج من اللحظة أكبر قدر من اللذة أو الإنجاز، فنتعامل مع الأشخاص كوسائل. أما مريم فتعطي الحاضر بدل أن تستهلكه. تقول «ها أنا»، ثم تذهب للخدمة. قيمة اللحظة لا تأتي مما نأخذه منها فقط، بل مما نسمح للمحبة أن تصنعه فيها.

الخطر الثالث هو تأليه المستقبل. نقول: سأكون سعيدًا عندما أنجح، أو أهاجر، أو يتغير الآخر، أو تحل المشكلة. وهكذا نعلّق الحياة على شرط آتٍ. مريم تنتظر تحقيق الوعد، لكنها تسبح وتخدم الآن. الرجاء لا يؤجل الحياة؛ يمنح الحاضر اتجاهًا.

 تبيّن لنا مريم كيف يبدو هذا الشفاء في حياة بشرية: ذاكرة تحفظ أمانة الله، انتباه يطيع كلمته، وانتظار يثق بوعده.

- عندما يصير «الآن» مذبحًا

لنتخيل للحظة مسيرة مريم كأنها سلسلة من كلمات «الآن»:

الآن في الناصرة: «ها أنا».

الآن على الطريق إلى أليصابات: «تعظم نفسي الرب».

الآن في بيت لحم: تلف الطفل وتضجعه في مذود.

الآن في الهيكل: تسمع أن سيفًا سيجوز في نفسها.

الآن في قانا: «مهما قال لكم فافعلوه».

الآن عند الصليب: تقف.

الآن في العلية: تنتظر وتصلي.

والآن في المجد: تعلن أن وعد القيامة ليس وهمًا.

لم تُعطَ مريم حياتها دفعة واحدة خارج الزمن. أعطتها لحظةً بعد لحظة. وهذا هو سرّ كل تقديس حقيقي. لا نملك الأمس كي نغيره، ولا الغد كي نضمنه؛ نملك هذا «الآن» لكي نقدمه. وحين يُقدَّم الآن لله، يصير مذبحًا؛ وحين تمرّ عليه المحبة، لا يضيع.

ربما نفهم عندئذٍ بصورة جديدة عبارة أغسطينس: «كنت في داخلي وأنا كنت في الخارج». مريم هي المرأة التي سكنت الداخل من دون أن تنغلق، ولذلك خرجت إلى العالم حاملة الكلمة. الداخل عندها لم يكن ملجأ من التاريخ، بل المكان الذي ولدت منه الرسالة.

إن الحاضر الأبدي ليس موضوعًا فلسفيًا بعيدًا. إنه دعوة إلى أن نحيا أمام وجه الله. الله يقول لموسى: «أنا هو الذي هو» (خروج 3: 14)، والمسيح يقول: «أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر» (متى 28: 20). وبين «أنا هو» الإلهية و«ها أنا» المريمية يولد العهد: الله حاضر للإنسان، والإنسان حاضر لله.


في عيد انتقال مريم نرى إلى أين يقود هذا الجمع: إلى حياة لا يتبدد فيها شيء من المحبة، وإلى جسد يدخل المجد، وإلى زمان يُفتدى في الأبدية.


الأب ميشال عبود الكرملي

الرئيس العام لرهبانيّة الكرمليّين الحفاة في لبنان


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم