كتّاب المحبّة

رجال السماء الأوائل: "من يعقوب القورشي إلى سمعان العمودي"

رجال السماء الأوائل: "من يعقوب القورشي إلى سمعان العمودي"

قبل أن تُقرع أجراس الكنائس في أعالي الجبّة، وقبل أن يحمل البطاركة الموارنة عصا الرعاية في وادي قنوبين، وقبل أن يصبح لبنان أحد أبرز المراكز المسيحية في الشرق، كانت هناك أسماء نسكية عظيمة ترسم الطريق بصمت.

فالمارونية لم تولد فجأة مع قيام مؤسسة أو إنشاء كرسي بطريركي، بل نمت ببطء، كما تنمو شجرة الأرز: بدأت ببذرة زرعها مار مارون في القورشيّة، ثم حمل تلاميذه روحها إلى الجبال والقرى والوديان.

ومن بين هؤلاء برز اسمان كبيران: يعقوب القورشي وسمعان العمودي.

يعقوب... حين تصبح السماء سقفًا 

كان يعقوب صورة حيّة عن التجرّد الكامل، حتى إن تيودوريطس، الذي عرف تلاميذ مار مارون ودوّن أخبارهم، رأى فيه مثالًا يكاد يفوق الوصف. فإذا كان مار مارون قد احتمى أحيانًا بخيمة صغيرة قرب المعبد الذي حوّله إلى مكان للصلاة، فإن يعقوب تخلّى حتى عن هذا الملجأ البسيط. لم يحتفظ لنفسه إلا بالسماء سقفًا، وبالأرض فراشًا. كان المطر يجلده، والثلج يجمّده، وشمس الصيف تحرق جسده، لكن قلبه ظل مشتعلًا بمحبة الله.

ولعل من أجمل الصور التي ارتبطت به أن تيودوريطس شبّهه بأرز لبنان، مطبّقًا عليه قول الكتاب المقدس: "الصديق كالنخلة يزهو، وكأرز لبنان ينمو".

ولم يكن التشبيه عابرًا. فالأرز لا ينمو في السهول المريحة، بل يقف على المرتفعات في مواجهة الرياح والثلوج والعواصف. وكذلك كانت القداسة في نظر أولئك النساك: ارتفاعًا لا عن الناس، بل عن كل ما يستعبد الإنسان ويمنعه من أن يكون حرًّا.

في يعقوب نستطيع أن نرى شيئًا من نوعية الرجال الذين خرجوا من مدرسة مار مارون: رجال لم تكن الرهبنة عندهم هربًا من العالم، بل تحررًا منه.

لكن إذا كان يعقوب قد اختار السماء سقفًا له، فإن رجلًا آخر من هذه البيئة الروحية نفسها أراد، بطريقة لم يعرف التاريخ مثلها، أن يقترب من السماء أكثر. كان اسمه سمعان.

سمعان... على عتبة السماء

وُلد سمعان سنة 392 في إحدى قرى كيليكيا التابعة لأبرشية قورش، وكان ابن راعٍ بسيط للغنم. لم يكن في طفولته ما يوحي بأن هذا الصبي سيصبح يومًا واحدًا من أشهر رجال الشرق المسيحي. لكن قلبه كان أكبر من حدود الحقول التي نشأ فيها.

وما إن بلغ الثالثة عشرة حتى دخل الحياة الرهبانية. وسرعان ما أصبح تقشّفه موضع دهشة من حوله. صام أكثر من غيره، وصلّى أكثر من غيره، وأرهق جسده إلى حد أن رؤساء الدير أنفسهم رأوا أن شدة نسكه تجاوزت ما يحتمله النظام الرهباني، فطلبوا إليه مغادرة الدير. فخرج من الدير.

لكنه لم يخرج من طريق القداسة.

بل لعل الفصل الأشهر من حياته بدأ يومها. اعتزل في كهف صغير، لكن أخبار الناسك راحت تنتشر، وأخذت الجموع تتقاطر إليه. كان الناس يطلبون كلمة، أو صلاة، أو بركة. وكلما ازداد عدد القادمين إليه، ازداد هو بحثًا عن العزلة.

ومن هنا وُلدت واحدة من أكثر الظواهر إثارة للدهشة في تاريخ النسك المسيحي: بنى سمعان لنفسه عمودًا، وصعد إليه. ومنذ ذلك الحين عرفه التاريخ باسم سمعان العمودي. لم يكن العمود بالنسبة إليه استعراضًا ولا بحثًا عن غرابة. كان صحراء جديدة، ومذبحًا مرتفعًا، وبرج صلاة بين الأرض والسماء.

والمفارقة أن الرجل الذي صعد إلى العمود هربًا من الجموع، صار من فوق العمود أشهر.

جاء إليه المرضى من كل الجهات، وقصده الناس طالبين الصلاة والمشورة، ووصل صيته إلى الملوك والأباطرة. لكن في سيرة سمعان تفصيلًا يعني لبنان بصورة خاصة.

من فوق العمود... بركةٌ تعبر جبال لبنان 

حفظ التقليد الماروني خبرًا رواه السمعاني ونقله الأب بطرس ضو، عن وفد من سكان لبنان قصد سمعان يشكو إليه وحوشًا مفترسة كانت تهاجم القرى وتحصد الضحايا. لم يعطهم سمعان وصفة سحرية، ولم يجعل من نفسه صاحب قوة غامضة. دعاهم إلى الإيمان. وطلب إليهم أن ينبذوا الوثنية، وأن يقبلوا المعمودية، وأن يرفعوا الصلبان في الجهات الأربع لقراهم.

ففعلوا.

وتقول الرواية إن الوحوش اختفت بعد ذلك ولم تعد تؤذي السكان. قد يقرأ المؤرخ الحديث هذه الرواية في إطار الأدب العجائبي الذي أحاط بسير القديسين في الأزمنة القديمة. لكن القيمة التاريخية للرواية لا تتوقف عند المعجزة نفسها. الأهم أنها تشهد على صلة قديمة بين سمعان العمودي والجبل اللبناني، وعلى أن ذكراه بقيت حيّة في وجدان سكان الجبّة قرونًا طويلة.

بل إن السمعاني يذكر أن موارنة الجبّة في عصره كانوا لا يزالون يدلّون على مواضع الصلبان الأربعة في حصرون وبشري وإهدن وأيطو. وهنا تصبح الحكاية أكثر من خبر عن ناسك عاش بعيدًا عن لبنان. إنها تصبح جزءًا من ذاكرة الجبل. فاسم سمعان لم يبق غريبًا عن الذاكرة اللبنانية، بل دخل في طبقاتها الروحية المبكرة، وظل مرتبطًا بأمكنة وأسماء وقرى تناقلت حكايته جيلًا بعد جيل.

حين انحنت التيجان أمام المتجرّد فوق العمود

بلغت شهرة سمعان حدًا جعل أصحاب السلطة في العالم القديم يطلبون بركته ومشورته. استفسر عنه ملك الفرس، والتمست زوجته زيتًا باركه، وأرسلت إليه ملكة العرب تسأله نعمة الأمومة، كما راسله الإمبراطور لاون الأول مستشيرًا إياه في شؤون الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية.

يا لها من مفارقة: رجل لا يملك قصرًا، ولا جيشًا، ولا ذهبًا، ولا منصبًا؛ رجل اختار أن يعيش فوق قطعة من حجر، فإذا بالملوك الذين يسكنون القصور يكتبون إليه. كأن سمعان كان يقول لعصره إن الإنسان يستطيع أن يتخلى عن كل شيء، ثم يكتشف أن القوة الحقيقية ليست دائمًا حيث يظن الناس أنها موجودة.

لكن عظمة سمعان لا تكمن فقط في الأعاجيب التي نُسبت إليه، ولا في الجموع التي قصدته، ولا في الرسائل التي وصلته من الملوك. إنها تكمن في أنه جسّد، بطريقة يصعب أن نجد لها مثيلًا، تلك الروح التي خرجت من مدرسة مار مارون: التجرّد طريقًا إلى الحرية، والصلاة قوةً قادرة على تغيير العالم، والقداسة رسالةً لا تعترف بحدود الجغرافيا.

ولهذا لا يبدو غريبًا أن نجد اسمه حاضرًا في البدايات القديمة للتاريخ المسيحي اللبناني. فسمعان، ويعقوب، وإبراهيم، وغيرهم من رجال المدرسة القورشيّة، لم يكونوا مجرد نساك عاشوا في القرن الخامس ثم طواهم الزمن. لقد صنعوا من الصحراء مدرسة، ومن الجبل مذبحًا، ومن الصمت لغة. وقبل البطاركة والمؤسسات والحدود، وقبل أن يحمل لبنان الصورة المسيحية التي سيعرفها التاريخ لاحقًا، كانت خطى أولئك الرجال قد بدأت ترسم الطريق.

كانوا رجال السماء الأوائل... وكانوا، في ذاكرة الجبل، من رسله الأوّلين.


الخوري ميخائيل قنبر

دراسات عليا في العلوم الدينية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم