كتّاب المحبّة

"حين يأتي الخذلان من حيث وثقنا"

"حين يأتي الخذلان من حيث وثقنا"

ثَمّة خيباتٌ لا تؤلمنا لأنّها حدثت،

بل لأنّها جاءت من المكان الذي شعرنا فيه بالأمان.


نثق بصديق،

فنأتمنه على ما لا نقوله للجميع،

ونشاركه شيئًا من ضعفنا،

ونترك له مكانًا في حياتنا لا ندخله إليه بسهولة.


ومع الوقت،

لا تعود الثقة مجرّد كلمة؛

تصبح طمأنينةً، وذكرياتٍ، ومواقفَ، وأسرارًا،

وأيامًا ظننّا أنّها كافية لنقول:

هذا الإنسان لن يخذلني.


ثمّ يحدث ما لم نتوقّعه.

كلمةٌ في غير وقتها،

موقفٌ لم نفهمه،

غيابٌ في لحظةٍ كنّا نحتاج فيها إلى حضور،

أو خيبةٌ تأتي من شخصٍ كنّا نظنّه أبعد الناس عن أن يخذلنا.


فنصمت.

لا لأنّ الوجع قليل،

بل لأنّ بعض الخيبات تحتاج إلى الصمت قبل الكلام.


وربّما هنا يكون الوجع الحقيقي:

أنّ الذي خيّبنا كان يعرف أين يؤلمنا.


لكنّنا، مع الوقت، نتعلّم شيئًا أعمق:

أنّ الإنسان، مهما أحببناه، يبقى إنسانًا.

يضعف، ويخطئ، ولا يستطيع دائمًا أن يكون على قدر الصورة التي رسمناها عنه.


وأحيانًا لا تكون الخيبة في أنّ الآخر لم يكن كما أردناه،

بل في أنّنا، من حيث لا ندري، طلبنا منه أن يكون أكثر من إنسان.


ومع ذلك، لا تعني الخيبة أن نتوقّف عن الثقة.

فالإنسان ليس عدوًّا للإيمان؛

كثيرًا ما يختار الله أن يقترب منّا من خلال إنسان:

صديقٍ يقول كلمةً في اللحظة التي نحتاجها،

أو شخصٍ يقف إلى جانبنا حين نعجز عن الوقوف وحدنا،

أو قلبٍ يصبح، من حيث لا يدري، نافذةً تمرّ منها نعمة الله.


لذلك قد يكون إنسانٌ ما نعمةً في فصلٍ من حياتنا، ودرسًا في فصلٍ آخر، وقد يكون الاثنين معًا.


وقد تترك فينا الخيبة جرحًا،

لكنّ الله يستطيع، حتّى من بين شظاياه، أن يعلّمنا شيئًا عن المحبّة، والحرّية، وأنفسنا، وعن معنى أن نضع ثقتنا في المكان الصحيح.


وهنا يبدأ النضج:

أن نثق، لكن دون أن نؤلّه.

أن نحبّ، لكن دون أن نمتلك.

أن نغفر، لكن دون أن ننكر الحقيقة.

وأن نحزن، لكن دون أن نحوّل خيبة إنسان إلى حكمٍ على البشر جميعًا.


فشخصٌ واحد خيّبنا

لا يعني أنّ العالم كلّه خائن،

وإنسانٌ لم يستطع أن يبقى

لا يعني أنّ علينا أن نغلق أبوابنا في وجه من يأتي بعده.


وربّما أجمل ما نتعلّمه بعد الخيبة

أن نعيد ترتيب ثقتنا:

نعطي الإنسان مكانته، ونترك لله مكانه.


نثق بالبشر لأنّ فيهم خيرًا، ولأنّ الإنسان قادرٌ أن يكون حاملًا لنعمة الله؛

لكنّ رجاءنا الأخير لا نضعه في إنسانٍ يتغيّر،

بل في الله الذي يبقى.


لذلك قد نوجع، وقد نحزن، وقد نحتاج إلى وقتٍ طويل كي تستعيد أرواحنا طمأنينتها؛

لكنّنا لا نسمح للخذلان أن يحوّلنا إلى قسوة.


نخرج من الخيبة لا بقلوبٍ مغلقة،

بل بقلوبٍ أكثر حكمة.


لأنّ الثقة الناضجة لا تقول: "لن أثق بأحد"،

بل تقول: "سأثق بالإنسان، وسأحبّه، وأغفر له؛

لكنّ رجائي الأخير سيبقى ثابتًا دائمًا في الله."


الخوري شربل الشمالي

الأبرشية البطريركية المارونية - منطقة جونيه


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم