كتّاب المحبّة
بين الفريسيّ والعشّار: "ليجرِ الحق كالمياه، والعدل كنهر لا ينقطع"
تجمعنا قراءات هذا الأحد حول حقيقة أساسية في حياتنا المسيحية: الله لا يريد منا عبادةً بالشفتين فقط، بل قلبًا يتواضع أمامه، وينفتح على عمل الروح القدس، ويترجم الإيمان محبةً ورحمةً وعدلًا في الحياة.
قد تبدو القراءات الثلاث مختلفة: النبي عاموس يتحدث عن العدل، والقديس بولس عن الألم والرجاء وعمل الروح القدس، والإنجيل عن الفريسي والعشّار. لكنها تقودنا جميعًا إلى سؤال واحد: كيف نقف أمام الله، وكيف نعيش مع إخوتنا؟
-أولًا: عبادة تثمر محبة وعدلًا.
يقول الرب على لسان النبي عاموس كلمات قاسية:
"إني أبغض أعيادكم وأمقتها… أبعدوا عني ضجيج تراتيلكم… وليجرِ الحق كالمياه، والعدل كنهر لا ينقطع" (عا 5: 21-24).
الله لا يرفض الصلاة ولا الأعياد ولا التراتيل. فالعبادة هي قلب حياة المؤمن. لكنه يرفض أن تتحول العبادة إلى مظهر خارجي، فيما يبقى القلب بعيدًا عن المحبة والرحمة والعدل.
ما معنى أن نأتي إلى الكنيسة، ونصلي ونرتل ونشعل الشموع، ثم نخرج ونحن نحمل في قلوبنا الحقد، أو نرفض الغفران، أو نغلق أعيننا عن ألم الفقير والمريض والمتألم؟ إن الرب يريد أن تظهر صلاتنا في حياتنا.
وهذا ما تؤكده الكنيسة عندما تعلّمنا أن محبتنا لله لا تنفصل عن محبتنا للقريب. فالعبادة الحقيقية تقود المؤمن إلى خدمة الإنسان، لأننا في الإنسان نلتقي بوجه المسيح نفسه. ويقول القديس يوحنا الرسول:
"من لا يحب أخاه الذي يراه، لا يستطيع أن يحب الله الذي لا يراه" (1 يو 4: 20).
كما يذكّرنا القديس يوحنا الذهبي الفم بأن تكريم المسيح على المذبح يجب أن يقودنا أيضًا إلى الاهتمام بالمسيح الحاضر في الفقير والمتألم. فلا يمكن أن نكرم الرب في الكنيسة وننساه في الإنسان المحتاج إلى محبتنا خارجها.
وفي روحانيتنا ، الصلاة ليست هروبًا من العالم، بل هي لقاء مع الله يغيّر القلب. نحن نأتي إلى الكنيسة لكي نتلقى نعمة الرب، ثم نخرج لنحمل هذه النعمة إلى الآخرين. وهكذا يمكن أن تصبح صلاتنا ملموسة: في زيارة شخص وحيد، وفي كلمة تشجيع، وفي مساعدة عائلة متألمة، وفي مصالحة بين شخصين، وفي غفران إساءة، وفي رفض الظلم والكلام الجارح.
فالعدل الذي يتحدث عنه عاموس لا يبدأ دائمًا بأمور كبيرة، بل يبدأ غالبًا بالقرب منا: في بيتنا، وفي عائلتنا، وفي رعيتنا، وفي طريقتنا في التعامل مع الآخرين.
-ثانيًا: عندما نعجز عن الصلاة، الروح القدس يصلي فينا.
بعد دعوة عاموس إلى حياة صادقة، يقودنا القديس بولس إلى واقع نعرفه جميعًا: واقع الألم والضعف. يقول: « إن الخليقة كلها تئن وتتمخض إلى الآن… ونحن أنفسنا نئن في داخلنا» (روم 8: 22-23).
نعم، هناك أوقات في حياتنا نتألم فيها ولا نفهم. أمام المرض أو الموت أو الحروب أو الانقسامات أو التجارب، قد نسأل: ماذا نقول لله؟ وأحيانًا نصل إلى لحظة لا نجد فيها كلمات للصلاة. لكن هنا يقدم لنا بولس تعزية عظيمة: « لسنا نعلم كيف نصلي كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا توصف» (روم 8: 26).
ما أجمل هذه الحقيقة! حتى عندما نعجز عن الصلاة، لا يتوقف الله عن العمل فينا. حتى عندما نصمت أمامه، يعرف الروح القدس صمتنا. يجمع دموعنا وألمنا وضعفنا، ويحملها أمام الآب.
إن تعليم الكنيسة يذكرنا بأن الروح القدس هو المعلم الداخلي للصلاة. لذلك ليست الصلاة مجرد كلمات نرددها، بل هي قبل كل شيء عمل الله في قلب الإنسان. أحيانًا تكون أجمل صلاة هي أن نقول ببساطة: «يا رب، ارحمني»، أو «يا رب، أنت تعرف»، أو أن نبقى صامتين أمامه ونضع بين يديه ما نعجز عن التعبير عنه.
ويقول القديس أوغسطينوس، في معنى عميق، إن الرجاء المسيحي لا ينكر الألم، بل يجعلنا ننتظر وسط الألم ما أعدّه الله لنا. فالقديس بولس نفسه يقول:
"إن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" (روم 8: 18).
لذلك، لا يعني الإيمان أننا لن نبكي أو نتألم، بل يعني أننا نعرف أن الألم ليس الكلمة الأخيرة. الكلمة الأخيرة هي للحياة والقيامة.
والقديس أفرام السرياني، الذي ننهل من غنى تقليدنا السرياني، يعلّمنا أن نقف أمام الله بقلب فقير ومنسحق وواثق برحمته. فنحن لا نخلص بقوتنا، بل نعترف بضعفنا ونفتح قلوبنا لنعمة الله. لذلك، عندما نشعر بالضعف، لا نبتعد عن الله، بل نقترب منه أكثر. وعندما لا نجد كلمات، لا نيأس. فالروح القدس حاضر، وهو يعين ضعفنا ويحوّل أنيننا إلى صلاة ورجاء.
-ثالثًا: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ»… بداية الحياة الجديدة.
يضعنا الإنجيل أمام رجلين يصعدان إلى الهيكل للصلاة: فريسي وعشّار.
الفريسي إنسان متدين، يصوم ويعطي العشر ويحافظ على واجباته. لكن مشكلته ليست في أعماله الصالحة، بل في قلبه. لقد بدأ ينظر إلى نفسه على أنه أفضل من الآخرين، وقال: « اللهم إني أشكرك أني لست مثل سائر الناس…» (لو 18: 11).
أما العشّار، فلم يقدم لله قائمة بأعماله. وقف بعيدًا، واعترف بحاجته إلى الرحمة، وقال: « اللهم ارحمني أنا الخاطئ» (لو 18: 13).
ويقول لنا يسوع إن هذا العشّار عاد إلى بيته مبررًا، لأن «كل من يرفع نفسه يُتَّضع، ومن يضع نفسه يُرفع» (لو 18: 14).
إن الله لا يطلب منا أن نثبت له أننا كاملون. هو يعرف ضعفنا. ولا يطلب منا أن نقارن أنفسنا بالآخرين. بل يريد قلبًا صادقًا يقول: يا رب، أنا بحاجة إليك.
ويعلّمنا القديس يوحنا الذهبي الفم أن الفضائل والأعمال الصالحة تفقد معناها عندما تدخل إليها الكبرياء، بينما التواضع يجعل الإنسان قادرًا على استقبال نعمة الله. فالنعمة تدخل إلى القلب الذي يعرف أنه محتاج إليها.
لكن علينا أن ننتبه إلى أمر مهم: قد نسمع مثل الفريسي والعشّار ونقول في أنفسنا: «الحمد لله، أنا لست مثل الفريسي!» وهكذا نقع في الكبرياء نفسها! لذلك، لا يدعونا الإنجيل إلى إدانة الفريسي، بل إلى فحص قلوبنا.
التواضع المسيحي ليس احتقار الإنسان لنفسه، ولا هو اليأس. فالعشّار لم يقل: «لا أمل لي»، بل قال: «ارحمني». وهذا هو الرجاء. التواضع يقول: أنا ضعيف، لكن رحمة الله أعظم من ضعفي. أنا خاطئ، لكنني محبوب ومدعو إلى حياة جديدة.
وهنا نكتشف وحدة القراءات الثلاث: عاموس يقول لنا: لتكن عبادتكم حياةً عادلة ومحبة.
والقديس بولس يقول لنا: لا تخافوا من ضعفكم، فالروح القدس يعينكم.
ويسوع يقول لنا: تعالوا إلى الله بقلب متواضع يطلب الرحمة. وهكذا يصبح طريقنا المسيحي واضحًا:
التواضع ← قبول الرحمة ← تغيير القلب ← المحبة والعدل.
فلندخل إلى الكنيسة بقلب العشّار ونقول: «يا رب، ارحمني». ولنسمح للروح القدس بأن يعمل في ضعفنا. ثم لنخرج إلى الحياة حاملين ما تلقيناه من الله.
لتصبح صلاتنا محبة، وصومنا مشاركة، وإفخارستيتنا خدمة، وإيماننا رحمة، وعبادتنا عدلًا.
عندئذ تتحقق كلمة النبي عاموس في حياتنا:
"وليجرِ الحق كالمياه، والعدل كنهر لا ينقطع". آمين
الخوري جوني التنوري
من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه