كتّاب المحبّة
يوحنا مارون: "ولادة البطريركية من رحم العاصفة"
هناك رجالٌ يولدون في التاريخ. وهناك رجالٌ يصنعون التاريخ.
أمّا يوحنا مارون، فكان من أولئك النادرين الذين تحوّلوا إلى نقطة انعطاف بين زمنين؛ بين مرحلة كانت فيها الجماعة المارونية تنتشر كشبكة من الأديرة والرهبان والنساك، ومرحلة أصبحت فيها كنيسةً تقودها بطريركية وتحمل مشروعًا واضحًا للحضور والبقاء.
فإذا كان مار مارون قد زرع البذرة، وإذا كان إبراهيم وسمعان ويعقوب وسائر تلاميذ القورشية قد حملوا تلك البذرة إلى الجبال والوديان، فإنّ يوحنا مارون هو الرجل الذي حوّلها إلى شجرة.
ولم يكن ذلك في زمن هادئ. بل في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ المشرق. كانت الإمبراطورية البيزنطية تترنح تحت وقع الهزائم. وكانت سوريا قد دخلت العصر العربي الإسلامي. وكانت الخلافات العقائدية تمزّق الكنائس الشرقية. وكانت أنطاكية، المدينة التي حملت اسم المسيحيين للمرة الأولى، تعيش واحدة من أصعب مراحل تاريخها.
في ذلك الزمن ظهر يوحنا مارون.
يروي السمعاني في "المكتبة الشرقية" أنّه وُلد في قرية سروم الواقعة في جبل السويدية بالقرب من أنطاكية. أمّا البطريرك اسطفان الدويهي فيذكر أنّه نشأ في عائلة كريمة، وأنّ والديه أغاتون وأنوهاميا اعتنيا بتربيته وتعليمه منذ حداثته.
وكانت أنطاكية يومذاك إحدى أعظم مدن الشرق. مدينة المدارس. مدينة اللاهوت. مدينة الثقافة اليونانية والسريانية. وفيها بدأ يوحنا رحلته مع العلم.
درس في مدارسها، ثم في دير القديس مارون على ضفاف العاصي، فأتقن العلوم اللغوية والرياضية والإلهية. ولم يكتفِ بذلك، بل شدّ الرحال إلى القسطنطينية، عاصمة العالم البيزنطي، حيث تعمّق في اللغة اليونانية والفلسفة وكتابات الآباء.
كان شغفه بالمعرفة كبيرًا. لكنّ شغفه بالله كان أكبر. فعاد إلى دير القديس مارون. وهناك، بين جدران الدير الذي حمل ذكرى الناسك العظيم، اختار طريق الرهبنة. تخلّى عن أملاك العائلة ومكانتها الاجتماعية. وسلّم إدارة الميراث إلى ابن أخته إبراهيم. ثم لبس الثوب الرهباني مع ابن أخته الآخر قورش، الذي سيصبح لاحقًا البطريرك الثاني للموارنة. ومنذ ذلك الحين صار يُعرف باسم يوحنا مارون.
لم يكن هذا الاسم مجرد لقب. بل كان إعلان انتماء. فالرجل لم ينسب نفسه إلى أسرة أو مدينة أو عشيرة. بل إلى القديس الذي شكّل المرجعية الروحية لجماعته.
ومع مرور الوقت ذاعت شهرته. فأقبل الناس إليه طلبًا للنصح والإرشاد. ورأى فيه أهل زمانه رجل إيمان وحكمة وقدرة على القيادة. ويذكر السمعاني أنّ أمير أنطاكية وكبار الإفرنج المقيمين فيها أوصوا به لدى ممثل الكرسي الرسولي، فرُقّي إلى أسقفية البترون ليعتني بمؤمني جبل لبنان ويثبتهم في الإيمان القويم.
ومنذ لحظة وصوله إلى لبنان بدأ فصل جديد من حياته. لم يعد راهبًا منعزلًا. بل صار راعيًا لشعب.
وكانت المهمة شاقة. فالجبل اللبناني لم يكن كتلة بشرية واحدة، بل فسيفساء من الجماعات والتقاليد والانتماءات الدينية. كما أنّ بدعتي الطبيعة الواحدة والمشيئة الواحدة كانتا قد تركتا آثارًا عميقة في المنطقة. لكن يوحنا مارون حمل معه ما هو أقوى من الجدل اللاهوتي.
حمل خبرة مدرسة مار مارون. خبرة الصلاة والنسك والثبات. ولهذا استطاع أن يجمع حوله أعدادًا متزايدة من المؤمنين وأن يعزز وحدة الجماعة المارونية الناشئة.
غير أنّ التاريخ كان يهيّئ له دورًا أكبر بكثير. ففي أواخر القرن السابع دخلت بطريركية أنطاكية في واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا.
الحروب تشتعل. والخلافات العقائدية تتفاقم. والكرسي الأنطاكي يبقى شاغرًا سنوات طويلة. وفي وسط هذه العاصفة ظهرت الحاجة إلى قائد يجمع المؤمنين ويحفظ الإيمان ويمنع التشتت. ومن هنا تبدأ قصة البطريركية المارونية.
تختلف الروايات في تفاصيل انتخاب يوحنا مارون بطريركًا. فبعض المصادر ترى أنّه ذهب إلى روما ونال التثبيت من البابا سرجيوس الأول. وأخرى تذكر أنّ أساقفة أنطاكية اجتمعوا وانتخبوه. فيما يرجّح رأي ثالث أنّ أساقفة الموارنة في لبنان هم الذين اختاروه بطريركًا على جماعتهم.
لكنّ ما لا يختلف عليه المؤرخون هو النتيجة. لقد ظهر في تلك المرحلة بطريرك ماروني يقود شعبه ويحفظ ارتباطه بالإيمان الكاثوليكي وسط عالم مضطرب. وكان هذا الحدث من أهم التحولات في تاريخ الموارنة.
لأن الجماعة التي بدأت ناسكًا على قمة جبل، أصبحت الآن كنيسة يقودها بطريرك. والمدرسة الروحية التي بدأت في القورشية أصبحت مؤسسة تاريخية حيّة. والصلاة التي رفعها مار مارون في عزلته تحوّلت إلى شعب له قيادة وصوت ورسالة. ومن أجل ذلك لا يمكن النظر إلى يوحنا مارون بوصفه أول بطريرك للموارنة فحسب. إنّه الرجل الذي عبرت فيه المارونية من زمن التأسيس الروحي إلى زمن الحضور التاريخي. الرجل الذي حمل هامة مار مارون إلى كفرحي، لكنه حمل معه أيضًا شيئًا أثمن من الذخائر.
حمل الوديعة.
وديعة الإيمان. وحمل الحلم الذي بدأ فوق قمم القورشية قبل قرنين. ولهذا بقي اسمه محفورًا في الذاكرة المارونية لا كبطريرك أول فحسب، بل كأبٍ ثانٍ بعد مار مارون نفسه.
فإذا كان الناسك قد أعطى الجماعة روحها، فإنّ يوحنا مارون أعطاها بيتها. وإذا كان الأول قد أنجب المدرسة، فإنّ الثاني أنجب البطريركية.
ومن بين العواصف التي عصفت بالمشرق في القرن السابع، خرجت تلك الولادة التاريخية التي ما تزال أصداؤها تتردد في جبال لبنان إلى اليوم.
الخوري ميخائيل قنبر
دراسات عليا في العلوم الدينية